بقلم الأستاذ عباس محمود العقاد
«لأول مرة أتصل بالحياة المدنية، حيث قد أنهكتني الدروس فجئت من جامعتي لزيارة مصر. وكم حاولت أن أصل بك، ولكني وجدت في نفسي عُسرًا. فقلت: ما الذي سأتكلم به إذا ما اجتمعت معه؟ ولربما اجتماعي سيكون معرقلًا أسير أعماله، سيكون مفرغًا لغير أهدافه. لهذا آثرت هذه الرسالة المقتضبة لأبين شعوري نحوكم ونحو مصر..
.. وجئت أستشيركم عن الكتب التي تمكنني من معرفة أدب المجاملة، وكيف أبدأ الكلام مع صديق ممن أنا حديث المعرفة بهم؟.. »
عبد الحسين طمان
الجامعة الأمريكية – بيروت
أول شيء أحب أن أقوله للطالب النجيب، أن الكتب التي تعرف بكتب «السلوك» لا فائدة لها في غير حالة واحدة، وهي الحالة التي تتعلق بنظام المحافل العامة، ومراسم الجلوس والوقوف، والخطاب، التي تتبع فيها وكتب السلوك هذه ليس أكثر منها في جميع اللغات الأوروبية!
أما المجاملات «الشخصية»، فلا تتعلمها من الكتب، وينبغي أن يرجع فيها كل إنسان إلى طبعه وذوقه، وإلى طباع من يتصل بهم وأذواقهم إلى حسب المناسبات.
وفي اللغة العربية كلمة هي دليل كاف لكل إنسان في مجاملاته ومحادثاته. فالمجاملات كلها «تحية».
والتحية، مشتقة من الحياة!.. ومشتقة من الشعور الحي لا من صفحات الأوراق!
فكل ما يلزمك في مجاملاتك أن تكون طبيعيًا، وأن تكون كريمًا في شعورك، وقُل بعد ذلك ما تشاء.
ليس من الضروري أن تبدأ الحديث الكلام عن الجو والهواء.
وليس من الضروري أن تتقيد بالألفاظ المحفوظة التي يتناقلها الناس كأنها نوع من «القوالب» الطباعية و«الكليشيهات».
قل ما توحيه إليك الساعة، وكن على ثقة أن الحديث بعد ذلك يطرد في سياقه الممتع، أو سياقه المفيد.
ولا شيء يمنعك أن تكون طبيعيًا في حديثك إلا «ربكة المفاجأة».
وإنما تأتي «ربكة المفاجأة» من سبب واحد، وهو أنك تحسب محدثك الذي تخاطبه لأول مرة قاضيًا تنتظر حكمه عليك، وتخشى أن يجيء حكمه على غير ما ترضاه.
واحسب ما بدا لك من هذا القبيل. ولكن عليك أن تحسب معه حسابًا آخر مع كل محدث على حسب العلاقة بينك وبينه، أو على حسب النسبة بينكما في السن، والمنزلة الأدبية، أو الاجتماعية.
فإن كان محدثك مثلك فلا موجب «لربكة». وإذا نظرت إليه كأنه قاضٍ تترقب حكمه عليك، فاذكر أنك صاحب حق مثل حقه، وأنك أيضًا قاضٍ يترقب هو حكمك عليه.
أما إن كان محدثك أكبر منك سنًا أو قدرًا، فلا موجب للربكة. لأنك لا يعيبك أن يرى فيك نقصًا بالنسبة إليه، وقد تصبح مثله أو خيرًا منه إذا بلغت إلى مثل سنه وقدره.
وقد تكون الربكة آتية من حذرك أن يراك أقل من أمثالك ممن هم في سنك وقدرك. فاذكر أن الربكة في هذه الحال لا تفيدك شيئًا، بل تجعلك في الموضع الذي تخشاه، فأنت كاسب باجتنابها على أية حال.
على أن الذين يكبرونك سنًا أو قدرًا واحد من اثنين: إما إنسان تجمعك به جامعة العمل أو التعليم، فلا حاجة بك إلى خلق موضوع للحديث معه، لأن موضوع الحديث مخلوق يوحى بنفسه إليك..
وإما إنسان من المشهورين الذين تسمع بهم ولا تربطك بهم رابطة عمل أو تعليم، وفي هذه الحالة أعتقد أنه هو المسؤول أن يمهد لك موضوع الحديث، فإن قصر في واجبه فاللوم عليه لا عليك!
والمشهورون في هذا الموقف طريقان: طريقة أسميها طريقة «جيتي» شاعر الألمان، وطريقة أسميها طريقة «أَنَاتُولْ فَرَانْسْ» أديب فرنسا المشهور.
وطريقة جيتي وصفها لنا الشاعر الغنائي الكبير «هنريك هيني» حين زاره في صباه..
قال هيني إنه ظفر من جيتي بأذن للمقابلة، فمضى في طريقه يراجع نفسه في الأحاديث التي يلقاه بها ويساجله فيها، فلما رآه حياه فرد عليه جيتي تحيته وصمت، ثم ظل كذلك لحظات لا ينبس بكلمة.
قال هيني: «فطار الكلام الذي حفظته من رأسي، ولم يفتح الله علي بكلمة أقولها غير تقريظ الشجر الذي مررت به في الطريق»
فلم يزد جيتي على أن قال: «نعم إنه جميل». فخرج هيني وهو يقول:
«لقد وجدته يشبه تمثاله الرخامي تمامًا.. حتى في السكوت!»
وأظنه انتقم لنفسه بهذه الكلمة من كل صمت يستطيعه جيتي في حياته. وأظنني لم أنفر من «شخصية» جيتي لسبب من الأسباب كما نفرت منها لهذا الفتور البليد!
أما طريقة أناتول فرانس، فقد وصفها لنا أمين سره في مذكراته الخصوصية.
فذكر لنا أن شابًا كان على موعد لقاء مع الكاتب الكبير، فقضى ليلته لم ينم. ثم زاره مع جمع كبير من الشبان فُوجِم، ولم يجرؤ على افتتاح الحديث، وآثر أن يخرج يومها كما أتى، ويرجع في موعد آخر.
فإذا به بعد قليل يتلقى خطابًا من الكاتب الكبير يقول له فيه: «إنني انتظرتك فلم تحضر»، لأنه لم يحسب أن الفتى كان واحدًا من زواره في ذلك اليوم!
فلما عاد الفتى قال «مغني سعيد»، وهو اسم البيت الذي أطلقه أناتول فرانس على مسكنه، بادره أناتول فرانس بالسؤال عن عمله، وبالسؤال عما يكسبه منه، وكان عمله نقل الشواهد التاريخية، والأدبية من مراجعها..
قال: «كم يعطيك فلان؟» فقال الفتى: «لا شيء!»
فأدركه الأديب الساخر بنكتة من نكائه، وقال له: «حسن.. إذن أنا أضاعف لك أجرك!».. فانحلت عقدة لسان الفتى المجهول، ودار الكلام بينهما على أساس ما يكون.
هذه هي الطريقة اللائقة بكل رجل مشهور يلقاه شاب يسعى إلى لقائه لأول مرة. فإذا نهج الرجل المشهور على هذه الطريقة فلا حرج، ولا موجب لربكة المفاجأة.
وإذا أبى أن ينهج عليها، فليكن الفتى «هنريك هيني» آخر، فينتقم منه بكلمة كتلك الكلمة الخالدة!
أو فليكن له عزاء يرد الخطأ إلى «المشهور» المقصر في واجبه، إن عز عليه أن يشبه «هنريك هيني» في لذعات اللسان.
وبعد كل فرض، ومع كل تقدير، هبك لقيت إنسانًا فلم توفق إلى افتتاح الحديث، ماذا يجري؟
ستوفق في حديث آخر، والعمر لا يختم بحديث واحد، ولا سيما في مقتبل الشباب!
عباس محمود العقاد
مجلة الاثنين والدنيا، مارس ١٩٤٩م.
#العقاد