مفارقة لا يفسرها التخصص
أحب اللغة العربية والأدب العربي، وأتحدث عنها كثيرًا مع الأصدقاء وفي وسائل التواصل الاجتماعي. ولعل هذا ما جعل كثيرًا من الناس -ممن عرفوا اهتمامي- يعتقدون أن تخصصي الجامعي هو اللغة العربية، أو أي تخصص آخر قريب منها، إلا اللغة الإنجليزية!
لذلك تتكرر الدهشة كلما سألني أحدهم عن تخصصي ثم علم أنه "اللغة الإنجليزية". وربما كان من حقهم أن يندهشوا؛ فحديثي عن العربية أكثر من حديثي عن الإنجليزية، وقراءاتي في الأدب والشعر والنحو العربي تفوق بكثير ما أقرأه اليوم في مجال تخصصي الأكاديمي.
ولست أذكر هذا لأقول إنني بلغت في العربية مبلغًا يستحق الذكر، ولا لأدعي لنفسي منزلة في الأدب أو الشعر أو علوم اللغة؛ فأنا أعرف حدود معرفتي أكثر من غيري. وإنما أذكره لأن هذه المفارقة ظلت تثير فضولي طويلًا: كيف انتهى بي الأمر، وأنا خريج لغة إنجليزية ومعلمها، إلى أن يصبح معظمُ ما أقرؤه بشغف، وأكثرُ ما يشغل وقتي وفراغي = متعلقًا باللغة العربية؟
الطريق الذي ظننت أنه طريقي!
ولعل أول ما ينبغي توضيحه أن علاقتي باللغة الإنجليزية لم تكن علاقة عابرة أو اضطرارية. فقد اخترت هذا التخصص عن قناعة، وكان يُنظر إليه آنذاك بوصفه من التخصصات القوية والمطلوبة، كما وجدت من يشجعني عليه داخل الأسرة. وإلى جانب ذلك كله، كانت فكرة تعلم لغة ثانية واستكشاف عالم مختلف من خلاله تستهويني في تلك المرحلة من حياتي.
وخلال سنوات الدراسة الجامعية، لم أكن مجرد طالب يؤدي ما عليه من واجبات واختبارات، بل كنت أستمتع بتعلم اللغة وممارستها، وأقضي وقتًا طويلًا في محاولة تحسين مستواي فيها. وكنت، في حدود ما أذكر، أكثر اجتهادًا من كثير من زملائي، وربما أكثر شغفًا أيضًا.
وحين تخرجت، لم أتأخر كثيرًا في دخول الميدان المهني. فقد تقدمت إلى وظيفة تعليمية في وزارة التعليم، فجاء القبول أسرع مما كنت أتوقع، حتى إنني لم أُمنح وقتًا كافيًا لأفكر جديًا في خيارات أخرى، كإكمال الدراسة أو التريث قليلًا قبل بدء الحياة العملية. وهكذا وجدت نفسي معلمًا للغة الإنجليزية، في مسار بدا آنذاك طبيعيًا ومتوقعًا، ولم يكن يوحي بأن اهتماماتي ستتجه إلى وجهة أخرى.
البوابة التي لم أكن أبحث عنها
غير أن بداية الحكاية كانت أسبق مما قد يتصور القارئ. فاهتمامي بالعربية لم ينشأ بعد التخرج أو بعد سنوات من العمل في التعليم، بل بدأت ملامحه تظهر منذ سنوات الجامعة نفسها، وربما قبلها بقليل.
كنت أقرأ خارج حدود المقررات الدراسية، لكن قراءاتي في تلك المرحلة كانت متفرقة وغير مستقرة، أنتقل من كتاب إلى آخر دون وجهة واضحة. ثم وقعت في وقت مبكر على كتب علي الطنطاوي، وهنا تغير شيء ما.
شاركت خلال دراستي في الجامعة في نشاط كانت تقيمه الكلية في كل عام، وهو عبارة عن "مناظرة" بين فريقين من الطلاب في موضوع ما وتكون في أحد مسارح الجامعة أمام الجمهور.

كان موضوع تلك المناظرة هو: "بأي لغة يجب أن يكون تدريس التخصصات العلمية: باللغة العربية أم اللغة الإنجليزية"، وقد كنت حينها ضمن الفريق الذي يؤيد تدريسها باللغة الإنجليزية!
والحق أنني كنت أرى -في قرارة نفسي- وجوبَ تدريسها باللغة العربية، ولكن الدكتور القائم على المسابقة وزعنا توزيعا لم يراع فيه الرأي الحقيقي للطالب؛ لأن الهدف من المناظرة -برأيه- هو تدريبنا على جمع الحجج والتحدث أمام الجمهور باللغة الإنجليزية.
ذكرت هذه المناظرة لأقول مفارقة عجيبة، على الأقل عند نفسي! وهي أن المكافأة التي حصلت عليها، باعتباري ضمن الفريق الفائز في المناظرة، كانت (قسيمة شرائية) من مكتبة العبيكان في أبها. أخذت القسيمة واشتريت بها كتب علي الطنطاوي!!
ولا أستطيع أن أقول إنني قرأت كتبه فحسب، بل أستطيع القول إنني التهمتها التهامًا. كانت كتاباته قريبة من النفس، آسرة في أسلوبها، وقد فتحت لي أبوابًا لم أكن أعرفها من قبل؛ أبواب الأدب، والتراث، ومتعة اللغة العربية نفسها.

اكتشاف المألوف
ومن تلك البوابة دخلت إلى أسماء أخرى: العقاد، وطه حسين، والرافعي، وزكي مبارك، والمنفلوطي، ومحمود شاكر، وغيرهم من أعلام النهضة الأدبية. ثم امتدت الرحلة إلى كتب التراث، فصرت أتنقل بين صفحات الجاحظ والتوحيدي وغيرهما، وأجد في تلك الكتب متعة لا تقل عن متعة الروايات التي كان أقراني يقرؤونها آنذاك.
وفي الوقت نفسه، أخذ الشعر يزاحم النثر على مساحة القراءة؛ فقرأت المعلقات، وحفظت منها، وصاحبت ديوان الحماسة، وبدأت أكتشف عالمًا كاملًا ظل مفتوحًا أمامي كلما ظننت أنني بلغت طرفًا منه.
ولم أكن يومها أفكر في كل ذلك بوصفه مشروعًا معرفيًا أو مسارًا سيقودني إلى شيء معين؛ كنت أقرأ لأنني أستمتع بالقراءة، وأعود إلى هذه الكتب لأنني أجد فيها ما يدفعني إلى العودة مرة أخرى.
حين رأيت العربية بعين أخرى
وبعد سنوات قليلة من تلك القراءات، بدأت ألاحظ تغيرًا لم أكن أتوقعه. لم يكن الأمر متعلقًا بزيادة حصيلتي اللغوية أو اتساع قراءاتي فحسب، بل بطريقة نظرتي إلى العربية نفسها.
فدراسة الإنجليزية لم تمنحني لغة جديدة فقط، بل منحتني قدرًا من الوعي باللغة بوصفها نظامًا قائمًا بذاته. أصبحت ألتفت إلى أشياء لم أكن ألتفت إليها من قبل؛ إلى بناء الجملة، والعلاقات بين الكلمات، ودقائق التعبير، والفروق التي تصنعها كلمة واحدة حين تحل محل أخرى.
وحين عدت بهذا الوعي إلى العربية، وجدتها أمامي بصورة مختلفة. كنت أنظر إليها من الداخل والخارج في آن واحد؛ أستعملها كما يستعملها أي متحدث بها، وأتأملها في الوقت نفسه كما يتأمل الدارس لغة يتعرف إليها لأول مرة. وأظن أن هذه المسافة الجديدة هي التي جعلتني أرى كثيرًا من جمالياتها التي كانت مألوفة إلى حد أنها أصبحت غير مرئية!
ومنذ ذلك الوقت لم تعد قراءتي للعربية مجرد متابعة لكتاب أو استمتاع بقصيدة، بل أصبحت مصحوبة بفضول دائم تجاه اللغة نفسها؛ كيف تعمل؟ وكيف تتشكل المعاني فيها؟ وكيف استطاعت أن تحمل هذا التراث الأدبي الهائل عبر القرون؟
كيف تقود لغةٌ إلى لغة
كلما تأملت هذه التجربة ازددت اقتناعًا بأنها ليست تجربة فردية خالصة. فقد لاحظت أن عددًا من المتخصصين في اللغة الإنجليزية ينجذبون مع الوقت إلى العربية وآدابها، حتى ليبدو الأمر وكأنه ظاهرة تتكرر أكثر مما نتوقع.
ولعل السبب الأول في ذلك أن تعلم لغة أجنبية لا يمنح الإنسان لغة جديدة فحسب، بل يمنحه وعيًا جديدًا باللغة نفسها. فالمرء في لغته الأم يتحدث ويقرأ ويكتب بصورة تلقائية، دون أن يتوقف كثيرًا عند البنية التي تقوم عليها اللغة. أما حين يدرس لغة أخرى دراسة أكاديمية، فإنه يبدأ في ملاحظة ما كان خفيا عليه من قبل: كيف تُبنى الجمل؟ وكيف تتشكل المعاني؟ وما العلاقة بين التركيب والدلالة؟ وكيف تختلف اللغات في التعبير عن الفكرة الواحدة؟
ومن هنا تنشأ المفارقة الجميلة؛ إذ يعود الدارس إلى لغته الأم بعين جديدة. لا يعود إليها بوصفها أداة يستعملها فحسب، بل بوصفها موضوعًا للتأمل والاكتشاف. ولعل هذا ما حدث معي. فقد جعلتني دراسة الإنجليزية أكثر انتباهًا إلى الظواهر اللغوية عمومًا، ثم وجدت في العربية ميدانًا واسعًا لهذا الفضول الجديد.
اللغة العربية لغة تسمح لمن يحب التأمل في اللغة أن يظل مكتشفًا مهما طال به الطريق! في الاشتقاق، وفي الجذور، وفي الأوزان، وفي العلاقات الدقيقة بين المعاني، وفي التراث الأدبي الهائل الذي تراكم حولها عبر القرون. وكلما اتسعت قراءتي فيها شعرت أن ما أعرفه أقل بكثير مما ينتظرني.
ومع ذلك لا أظن أن المسألة لغوية خالصة. فلو كان الأمر متعلقًا ببنية اللغة وحدها، لربما اكتفيت بالنحو واللسانيات. لكن الذي جذبني كان الأدب أيضًا؛ ذلك العالم الذي جمع بين جمال اللغة وجمال الفكرة وجمال الإنسان. وربما لهذا السبب وجدت نفسي أميل إلى العربية أكثر فأكثر؛ لأنها لم تقدم لي لغة أدرسها فحسب، بل عالمًا كاملًا أعيش فيه قارئًا ومتأملًا.
الجسر الذي أعادني
واليوم، بعد سنوات من الدراسة والتعليم والقراءة، لا أستطيع أن أنظر إلى الإنجليزية والعربية بوصفهما طريقين متوازيين أو متنافسين. فاللغة الإنجليزية منحتني علمًا ومهنةً وخبرةً أعتز بها، وما زلت أعيش معها يوميًا في عملي وتعليمي. لكن المفارقة الجميلة أن الطريق الذي بدأ بالإنجليزية قادني، من حيث لا أتوقع، إلى علاقة أعمق بالعربية.
ولعل أكثر ما تعلمته من هذه التجربة أن اللغات لا تتزاحم بالضرورة في قلب الإنسان وعقله، بل قد تفتح إحداها بابًا إلى الأخرى. فدراسة الإنجليزية وتدريسها لم يبعداني عن العربية، ولم يجعلاني أقل تعلقًا بها، بل منحاني أدوات جديدة لرؤيتها وتأملها وتذوقها.
ولهذا كلما أبدى أحدهم دهشته حين يعلم أن تخصصي هو اللغة الإنجليزية، وجدتني أتفهم تلك الدهشة. فلو نظرنا إلى الأمر من ظاهره بدت فيه مفارقة، أما إذا نظرت إلى الرحلة كلها فستبدو الصورة مختلفة؛ إذ لم تكن الإنجليزية طريقًا أخذني بعيدًا عن العربية، بل كانت الجسر الذي أعادني إليها.