منذ سنوات، وأنا مأخوذٌ بعوالم القراءة، مسكونٌ بشغف مشاركة الكتب والأحاديث حولها مع الورّاقين والمهتمين. غير أنني كنت أصطدم دائماً بمفارقة غريبة في الفضاء الرقمي؛ فكلما بحثت عن مجتمعات القراءة، وجدت الوعي الجمعي قد ضرب سياجاً ضيقاً حول كلمة «الكتاب» ليعني بها —في كثير من الأحيان— الرواية وحدها!
كثيرا ما يسألني صديقٌ -سواءً في الواقع أو الافتراض- عن مقروءاتي، فيكون سؤالُه مضمراً بانتظار عناوين روائية، فإذا أجبته بعفوية: «أنا لا أقرأ الروايات إلا نادرًا»، باغتني بنظرة دهشة، ثم بسؤاله المستنكر: «وكيف تعدُّ نفسَك قارئاً إذن؟ وماذا تقرأ إن لم تكن تقرأ الروايات؟!».
هذا الميل نحو الاختصار لا يتوقف عند عتبة الرواية، بل يبدو كأنه عادة ذهنية نعبر بها إلى كثير من المفاهيم الكبرى؛ فإذا دار حديثٌ اليوم عن «الشعر»، فإنه غالبا ما ينصرف الذهن عند كثيرين إلى الشعر العامي وتجلياته اليومية، متجاوزاً فضاء الفصحى وتاريخها الممتد. وحتى في متعلقات التقنية والذكاء الاصطناعي، نجد أن مفهوماً واسعاً مثل «الذكاء الاصطناعي» قد اختُصر في الوعي العام داخل شاشة محادثة مع «شات جي بي تي!»، رغم اتساع هذا الحقل وتشعبه العلمي والتقني.
ولعل هذا الاختزال ليس جديداً تماماً؛ فالإنسان عبر العصور يميل إلى تقريب المعاني الكبرى وتكثيفها في صور مألوفة يسهل تداولها. غير أن العصر الرقمي سرّع هذه النزعة، ومنحها حضوراً يومياً طاغياً، حتى غدت بعض المفاهيم تُختزل في أكثر صورها استهلاكاً وانتشاراً.
ومن يتأمل تاريخ الكلمات، يلاحظ أن الدلالات نفسها تتحرك بين الاتساع والضيق بمرور الزمن. فالكلمات كائنات حية؛ بعضها يولد محدود المعنى ثم تتسع دلالته مع كثرة الاستعمال، كما حدث مع كلمة «راح» التي كانت تُستعمل في الأصل للسير وقت العشيّ، ثم تمددت حتى صارت تدل على مطلق الذهاب في أي وقت!
وفي المقابل، تضيق كلمات أخرى بعد سَعة؛ فكلمة «العيش» كانت تشير إلى أسباب الحياة والاستقرار والرزق عموماً، ثم انكمشت في الاستعمال اليومي عند كثير من الناس حتى صارت مرادفة لـ«الخبز»، وكأننا اختصرنا أسباب الحياة كلها في لقمة!
غير أن ثمة فرقاً بين التحول اللغوي الطبيعي، وهذا ما لا أنكره، وبين ما يمكن تسميته اليوم بـ«الاختزال الكسول». فاللغة عبر القرون تتطور وفق حاجات الناس وعفويتهم، فتوسّع معنى أو تضيق آخر دون افتعال. أما الاختزال المعاصر، فكثيراً ما يبدو وكأنه استعجال ذهني يكتفي بصورة واحدة سهلة التداول، ويلغي ما وراءها من طبقات ومعانٍ.
ولو تأملنا في بطون المعاجم القديمة، لدهشنا من المساحات الدلالية التي فقدتها بعض الكلمات مع الزمن. خذ مثلاً كلمة «المَأْتَم»؛ فهي اليوم تكاد ترتبط في وعينا بالموت والعزاء وحدهما، بينما ينقل لنا ابن منظور في لسان العرب: «المَأْتَمُ فِي الأَصل: مُجْتَمَعُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الغَمِّ والفَرَح». ثم خُصّت الكلمة لاحقاً بمشهد الحزن وحده. وشتان بين معنى يتسع لاجتماع الناس في أفراحهم وأتراحهم، وآخر لا يستحضر إلا السواد والبكاء.
والأمر ذاته ينسحب على بعض مشاعرنا الوجدانية. فكلمة «الطَّرَبُ» تكاد تُحصر اليوم في معاني الغناء والابتهاج، بينما كانت عند العرب أوسع من ذلك؛ إذ تدل على اهتزاز النفس من شدة التأثر، حزناً كان أو فرحاً. ولهذا جاء في لسان العرب: «الطَّرَبُ: الفَرَح والحُزْنُ»، واستشهدوا بقول النابغة الجعدي:
سَأَلَتْني عَنْ أُناسٍ هَلَكوا ... شَرِبَ الدَّهْرُ عَلَيْهِمْ وأَكلْ
وأَراني (طَرِبًا) فِي إِثْرِهِمْ ... طَرَبَ الوالِهِ أَو كالمُخْتَبَلْ
وفي مقابل هذا الضيق، ثمة كلمات خففت الأيام من حدتها الأولى، ككلمة «البأس»؛ التي كانت تدل في أصلها على شدة الحرب وعنفها، ثم اتسعت مع الزمن لتشمل كل مكروه عابر، حتى صرنا نقول للمريض ببساطة: «لا بأس عليك»، محولين تلك الشدة العظمى إلى معنى أكثر رفقاً وليناً.
إن هذا العبور بين سعة الكلمات وضيقها يكشف ميلاً إنسانياً أوسع؛ فنحن لا نختزل الألفاظ وحدها، بل نميل أحياناً إلى تقليص المفاهيم الكبرى في حياتنا أيضاً.
فالنجاح —بمعناه الإنساني الرحب— لم يعد عند كثيرين سوى أرقامٍ مادية أو مظاهرَ مهنيّةٍ براقة، بعد أن كان يشمَل سكينةَ النفس وتوازنَ العلاقات والعطاءَ الإنسانيَّ. والجمال، الذي كان يمتد في الطبيعة والفكر والروح، ضاق في الوعي المعاصر حتى صار أسيراً لمقاييس تصنعها الشاشات وأدوات التجميل. وحتى التواصل الإنساني، بما فيه من دفء الجلسات وطول الأحاديث، اختُصر في رسائل مقتضبة أو «إعجاب» عابر فوق شاشة باردة، وبمشاعر أبرد!
نحن نعيش في زمن يعشق النماذج المصغرة؛ زمنٍ يميل إلى تحويل الأفكار الشاهقة إلى نسخ صغيرة سهلة الحمل والاستهلاك. وربما أوهمنا هذا الاختصار بأننا أحطنا بالمعنى كلِّه، بينما نحن لا نمسك إلا بظله!
فلنُعِدْ للمفاهيم أبعادها الأصيلة، ولنمنح عقولنا شيئاً من سعة التأمل؛ فالحياة أوسع وأغنى من أن تُختزَلَ في صورة واحدة، أو تُحاصَرَ داخل شاشةٍ صغيرة، أو يُختصَرَ معناها كلَّه في مجرّد رغيف!