تقلبات الحياة
حديث عن تقلبات الحياة وما تفعله بالناس، رفعاً وحطاً، بطريقة أدبية. مع ذكر ما قيل في كل حالة من تلك التقلبات شعراً ونثراً.
المقدمة: ما قيل في الدهر وصروف الأيام والليالي
ثَمَانِيَةٌ تَجرِي عَلَى النَّاسِ كُلِّهِم *** وَلا بُدَّ لِلإِنسَانِ يَلقَى الثَّمَانِيَهْ
سُرُورٌ وَحُزنٌ وَاجتِمَاعٌ وَفُرقَة *** وَيُسرٌ وَعُسرٌ ثُمَّ سُقمٌ وَعَافِيَة
الدنيا هذه.. طبعها التقلب وديدنها التغير، لا يستقر لها حال ولا يهنأ بها بال. من حرص على جمعها تفرقت عنه ومن غفل عنها جمعت له من غير جهد ولا تعب. أجمع مجربوها على أنها تغر وتخدع، وقليلاً ما تعطي وكثيراً ما تمنع!
صدق المتنبي حين قال:
وَمَن صَحِبَ الدُنيا طَويلاً تَقَلَّبَت *** عَلى عَينِهِ حَتّى يَرى صِدقَها كِذبا
لسنا في هذه الحلقة محدثيك عن أحوال الدنيا حديث الزهاد والناصحين، وإنما حديث الأدب والشعر والطرائف. نتحدث إليكم عن أحوال الناس مع الدنيا، خاصة أحوال الأدباء والشعراء والأمراء، رفعاً وخفضاً.
فمن الناس من تغيرت دنياهم بسبب علم حصلوه، أو مال أفادوه، أو عدو أبادوه، أو حبيب وجدوه، أو كرسي جلسوا عليه. هؤلاء تغيرت دنياهم إلى أحسن مما كانت عليه. ولكن الكثرة الكاثرة هم الذين طلبوا الدنيا كغيرهم فارتدت عليهم بالبلاء والشقاء، والفرقة والشتات، والهم والمرض، والشيب والفقر والجهل، وحياة ساء طرفاها، بسوء المقدمة وسوء الخاتمة!
على أن الشعراء طبع فيهم الكذب، إلا أنهم أصدق من وصف الدنيا، وأكثر من عاش حاليها. فصاحبهم يقول:
كل من لاقيت يشكو دهره *** ليت شعري هذه الدنيا لمن؟
ولكن الشعراء هم محبو الحياة، على أنها مرغتهم في وحولها، هم رونقها وأعز أصدقائها، رغم ما أذاقتهم من صنوف بلائها وشقائها. أحدهم وصف نعيم الدنيا في بيتين قصيرين، فقال:
نعمة كانت على قو *** م زماناً ثم زالت
هكذا النعمة والإن *** سان مذ كان وكانت
بل إن البحتري وصف الدهر بقوله:
هل الدهر إلا ضيقة وانكشافها *** وشيكاً وإلا ترحة وانفراجها
وقال أيضاً في موضع آخر:
ومن عادة الأيام أن صروفها *** إذا ساء منها جانب قل جانب
وقال غيره:
لم يشفع الدهر الخؤون لمهجة *** في العمر إلا عاد وهو خصيمها
ما قيل في الشيب والهرم والمرض العضال
ولكن كيف تنقلب الدنيا؟ هناك أشياء أنت منها على حذر وترقب، تعلم أنها ستحين ولو بعد حين، كالشيب والهرم. والشيب هو العلة التي لا يعاد منها ولا يعزى عليها. بل هي العلة التي تهيج عليك الغواني وتدعوهن للجفاء، وكفى بذلك علة ومصيبة!
لولا مشيبي ما جفا *** لولا جفاه لم أشب!
يقول أحد الشعراء:
أقول لحلمي لا تزعني عن الصبا *** وللشيب لا تذعر علي الغوانيا
وإن الحياة لتبيض مع مرور الأيام، فتبيض الشعر، وتبيض العين، ويستمر البياض إلى أن يختم ببياض القطن وبياض الكفن! قال أحد الشعراء:
سألتها قبلة يوماً وقد نظرت *** شيبي وقد كنت ذا مال وذا نعم
ما كان لي في بياض الشيب من أرب *** أفي الحياة يكون القطن حشو فمي؟!
قاتلها الله.. هي وصاحبتها الأخرى التي روى قولها الشاعر فقال:
قالت أراك خضبت الشيب قلت لها *** سترته عنك يا سمعي ويا بصري
فقهقهت ثم قالت من تعجبها *** تكاثر الغش حتى صار في الشعر!
ولكن، على كل حال، يحسن بالمرء، في موضوع الشيب، الذي هو لا شك غالبه، كما قال أحدهم:
إذا نازع الشيب الشباب فأصلتا *** بسيفيهما فالشيب لا شك غالبُ
يحسن بالمرء أن يرى الجانب المضيء في الشيب، ويقول كما قال الشاعر الآخر:
رأت وضحاً في الرأس مني فراعها *** فريقان مبيض به وبهيم
تفاريق شيب في السواد لوامع *** فيا حسن ليل لاح فيه نجوم
وكيف ستخفي الشيب؟ أما أنا فلم أر إلى اليوم أحداً أخفى شيبه إلا إخفاءً هو بالإظهار أشبه! وما رأيت خاضباً طاعته أطراف شعره، إلا خانته بالبياض الأصول! فأتذكر قول الشاعر:
يسوّد أعلاها وتأبى أصولها *** وليس إلى رد الشباب سبيل!
لكن، أما وإننا نتحدث عن تقلب الدنيا، لا تقلب الجسوم، ولا تقلب الغواني، فاسمع ما قاله هذا:
كبرت ودق العظم مني وعقني *** بني وزالت عن فراشي العقائد
وأصبحت أعشى أخبط الأرض بالعصا *** يقودونني بين البيوت الولائد
وقد قلنا في الحلقة التي خصصناها عن الجاحظ، أنه قال في كبره:
أترجو أن تكون وأنت شيخ *** كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب *** دريس كالجديد من الثياب
من تغيروا بسبب المال
يُروى: أَنَّ موسىٰ بنَ نصيرِ فاتحَ (الأَندلسِ) كانتْ تُرفَعُ لَهُ الذخائِرُ، فيرمي بالذهبِ والفضَّةِ، ولا يلتقطُ إِلاَّ ما كانَ مِنَ الجواهرِ المُثْمِنَةِ، ثُمَّ آلَ بهِ الحالُ إِلى أَنْ صارَ يتسوَّلُ بالطائفِ، وإِذا وقعَ لَهُ الدرهمُ سُرَّ بهِ، حتَّىٰ مَلَّهُ حبيبُهُ، وباعدَهُ قريبُهُ، وماتَ علىٰ ذلكَ.
ذكر ذلك صاحب العود الهندي، ثم قال: ولا حاجةً للبُعدِ في استخراجِ العبرةِ، وقد رأيتُ زوجَ آخرِ ملوكِ آلِ عثمانَ تطلبُ الصدقةَ في (سنكافورةَ)، فسبحانَ مَنْ لا يزولُ ملكُهُ.
ويحكون في مثل هذا أن عبد الله بن معاوية أتي بأسير فقال: هذا هو جهد البلاء، فقال الأسير: كلا جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى مُوَسِّع. وعلى النقيض من ذلك قصة القاضي عبد الوهاب، الذي عاش جل حياته فقيراً في بغداد فقال:
بغـدادُ دارٌ لأهل المـال طيبةٌ *** وللمفاليس دار الضنك والضيقِ
ظللتُ حيران أمشي في أزِقتها *** كأنني مصحفٌ في بيت زنديقِ!
ترك عبد الوهاب بغداد ورحل لمصر، وهناك أقبلت عليه الدنيا واتسع حاله جداً واغتنى بعد طول إملاق وعوز، ولكنه لم يهنأ بذلك الغنى إلا قليلاً جداً؛ فقد اشتهى طعاماً ما فأكله فكان سببَ موته، ولما حضرته الوفاة قال قولته الشهيرة: "لا إله إلا الله، لما عِشنا مُتنا".
والفقر آفة شديدة، بل هو شجرة الشرور. فقد يبيع الإنسان أحسن ما يملك بسبب الحاجة الشديدة للمال. باع رجل كتبه فقال البيت الشهير الذي صار مثلاً يتمثل به:
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك *** كرائم من رب بهن ضنين
وللفقر أسباب منها الكرم، فمن الناس من تضطرهم الصفات المغروسة فيهم إلى الفقر، وغالباً ما تكون تلك الصفات حميدةً ومن مكارم الأخلاق. فتنقلب بهم الحياة بسبب تلك الصفات. قال أبو تمام:
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر *** أغارت عليهم واحتوته الصنائع
وهذا ما عناه أبو الطيب بقوله الشهير: الجود يفقر والإقدام قتال. وقال أبو تمام في موضع آخر:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى *** فالسيل حرب للمكان العالي
وقد قال قبل أبي تمام حسان بن ثابت في ذات المعنى:
المال يغشى رجالاً لا طباخ لهم *** كالسيل يغشى أصول الدَّندِنِ البالي
والدنيا كثيراً ما تمشي عرجاء، وهذا قدر الله وحكمته، فترى كثيراً من الأغنياء الأغبياء! قال أحد الشعراء:
وكائن رأينا من غني مذمم *** وصعلوك قوم مات وهو ذميم
والمال نعمة، ولكنه نقمة إذا كان قلب صاحبه لا في يده فحسب. فقد كان لسفيان الثوري بعض الحرص على جمع المال، فقيل له في ذلك فقال: لولا المال لتمندل بنا الملوك. أي لجعلونا كالمناديل، كناية عن الذل والمهانة. وقد كثر على ألسنة الشعراء دعوتهم لجمع المال وإنفاقه، فهذا يقول:
إذا ما خليلي صد عني بنبوة *** فدرهمي المنقوش خير خليل
وقال الآخر:
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له *** دنانير فيها جمة ودراهم
وقال آخر:
ترادفهم فقر قديم وذلة *** وبئس الرديفان المذلة والفقر
أما أبو الطيب فيقول:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله *** ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
والدنيا قد تريك الأهوال، فترفع حاجبيك دهشة من أناس أثروا بعد الفقر، فطغوا وتغيرت نفوسهم، بل ظهرت حقيقة نفوسهم التي كانت مختبئة بالحاجة وقلة الحيلة. وهذا من تقلبات الدنيا أيضاً. فتنظر إليه ولسان حالك يقول:
كأن الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسى *** ولم يك صعلوكاً إذا ما تمولا
وقد صدق الشاعر، وقد صدق الآخر الذي يقول:
إذا ما ساقط أثرى تعدى *** وأنكر قبل كل الناس نفسه
وغير باب منزله وأربى *** على جيرانه وأبان عرسه
وأصدق منهم كلهم، قول الله تعالى: "إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى".
إذا بلغك أن غنياً افتقر فصدق، وإذ بلغك أن فقيراً استغنى فصدق، وإذا بلغك أن حياً مات فصدق، وإذا بلغك أن أحمق استفاد عقلاً فلا تصدق. (الحمقى - ابن الجوزي)
- البحتري: متى أرت الدنيا نباهة خامل *** فلا ترتقب إلا خمول نبيه
- هدبة: ولست بمفراح إذا الدهر سرني *** ولا جازع من صرفه المتقلب
- عبدة بن الطبيب: والمرء ساع لأمر ليس يدركه *** والعيش شح وإشفاق وتأميل
ويشبِهُ ذلكَ: أَنَّ بعضَ أُمراءِ (مصرَ) كانَ معَ تاجرِ جلبَهُ إِليها، فارتقَتْ بهِ الأَحوالُ، وانحطَّت بذلكَ التاجِرِ، حتَّى افتقرَ، فكتبَ إِليهِ رقعَةً، فِيها:
كُنَّا جَمِيعَيْنِ فِي كَدٍّ نُكَابِدُهُ *** وَالْقَلْبُ وَالطَّرْفُ مِنَّا فِي أَذى وَقَذَىٰ
وَالآنَ أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ بِمَا *** تَهْوَىٰ فَلاَ تَنْسَنِي إِنَّ الْكِرَامِ إِذَا
وقولُهُ: (إِنَّ الْكِرَامَ إِذَا) هوَ أَوَّلُ بيتِ لأَبي تمَّام، أُولعَ الشعراءُ بتضمينِهِ:
إِنَّ الْكَرَامَ إِذَا مَا أَيْسَرُوا ذَكَرُوا *** مَنْ كَانَ يَأَلَفُهُمْ فِي الْمَنْزِلِ الْخَشِنِ
من تغيروا بسبب السياسة
وإذا عرجنا على جانب سياسي في تغير أحوال الناس، مما له علاقة بالشعر والأدب، فإنا لا بد ذاكرون حياة الشاعر العربي الأول، امرئ القيس، حياته التي تغيرت بعد أن كانت ممتلئة باللهو والخمر والنساء.. فانتهى به الحال وهو يحك قروحه فيتساقط لحمه الذي ما أنبته إلا النعم التي كان مغموساً فيها، وما نضر ذلك الجلد إلا ادّهان الشباب، والاختيال في الثياب، ولثم شفاه الغانيات، وثم كؤوس الطلى.
مروان الحمار
لما قتل مروان الحمار قطع رأسه ووجه به إلى عبد الله بن علي فنظر إليه وغفل، فجاءت هرة، فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه، فقال عبد الله بن علي: لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا ذلك.
- عبد الرحمن الداخل: والإمارة الأموية في الأندلس.
- أبو مسلم الخراساني: بدايته ونهايته.
- أبو العتاهية وعلي بن الجهم وأبو فراس في السجن.
- البرامكة بدايتهم ونهايتهم.
تغير أحوال أم جعفر البرمكي
دخلَتْ أُمُّ جعفرِ البَرمكيِّ - في يومٍ عيدٍ - علىٰ بعضِ الهاشمييّنَ، فقالوا لها: صِفِي لنا حاليكِ، قالت: لا أَزيدُكُم علىٰ أَنَّهُ مضىٰ عليَّ مثلُ اليومِ في العامِ الماضي وعلىٰ رأْسي مئةُ وصيفةٍ، وعندي مئةُ أَلفِ دينارِ، وأَنا أَعُدُ وَلَدِي مُقَصِّرَاً في حَقِّي، واليومَ أَطلبُ درهماً أَتبلَّغُ به في عيدي.
قصة عجيبة على تغير الأحوال
وقالَ محمَّدُ بنُ يزيدَ الشاعرُ: دعاني الفضلُ بنُ يحيى ذاتَ ليلةِ إِلى دارِ لَهُ واسعةٍ مؤَثَّثةِ بأَجمَلِ الرياشِ، وإِذا هيَ غَاصَّةٌ بالعلماءِ والشعراءِ والأُمراءِ والْخاصَّةِ والأَعيانِ، وأُخرِجَ مولودٌ عن يمينِ الفضلِ، فقُرِءَ القرآنُ حتَّى انتهَوا مِنَ الخَتمةِ، فقامَ الشعراءُ والخطباءُ، ونُثرتِ الدنانيرُ ولَمْ يحضرني غيرُ قولي:
وَنَفْرَحُ بِالْمَوْلُودِ مِنْ آلِ بَرْمَكِ *** وَلاَ سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ الْفَضْلِ
وَيُعْرَفُ فِيهِ الْخَيْرُ حَالَ وُجُودِهِ *** بِسِيمَا الْعُلاَ وَالْمَجْدِ وَالْجُودِ وَالْبَذْلِ
فأَمرَ لي بعشَرَةِ آلافِ دينارِ، وقالَ: خُذها يا محمَّدُ، فهيَ أَوَلُ حقِّكَ، فخرجتُ وأَنا مِنْ أَشدِّ الناسِ فرحاً، وتأَثَلّتُ المالَ والعَقَارَ، ونَعُمَ عَيشي، وطابَ لي زماني، ثُمَّ لَمْ تطُل الأَيَّامُ حتَّىٰ حَلَّتْ بِهمُ النازلةُ. ودخلتُ الحَمَّامَ بعدَ ذلكَ، فأشارَ قيِّمُهُ علىٰ صبيٌّ حَسَن الوجهِ مِنَ الخَدَم أَنْ يَدْلُكَ بدني، فتذكرتُ البرامكةَ وأيَّامَهم؛ لأنَّهُم سببُ نعمتي، فأَنشدتُ البيتينِ، فاندهشَ الصبيُّ، وسالَتْ دموعُهُ، وسقطَ مغشيّاً عليه، فظننتُ بهِ الجنونَ، وعاتبْتُ القيِّمَ، ولمَّا أفاقَ، وسألناهُ عَنْ أمرهِ.. امتنعَ، وبعدَ الإِلحاح قالَ: أنا ذلكَ المولودُ الَّذي أنشدتَ فيهِ الشعرَ، وقد صرْتُ إِلىٰ ما ترىٰ، فعرضتُ عليهِ أَنْ أَنزلَ لَهُ عَنْ جميع مالي؛ إِذ لا وارثَ لي علىٰ أَنْ أَعيشَ ما بقيَ مِنْ حياتي في كنفِهِ، فأَبى، وقالَ: معاذَ اللهِ أَنْ أَرزأَكَ شيئاً ممَّا خوَّلكَ أَبي، وكانَ آخرَ عهدي بهِ.
دخلت ابنة النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهَا: أَخْبِرِينِي عَنْ حَالِكُمْ كَيْفَ كَانَ؟ قَالَتْ: أُطِيلُ أَمْ أُقْصِرُ. قَالَ: لا بَلْ أَقْصِرِي. قَالَتْ: أَمْسَيْنَا مَسَاءً وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ أَحَدٌ إِلا وَهُوَ يَرْغَبُ إِلَيْنَا وَيَرْهَبُ مِنَّا، فَأَصْبَحْنَا صَبَاحاً وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ أَحَدٌ إِلا وَنَحْنُ نَرْغَبُ إِلَيْهِ وَنَرْهَبُ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَتْ:
بَيْنَا نَسُوسُ الناس والأمر أمرنا *** إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها *** نقلب تَارَاتٍ بِنَا وَتُصَرِّفُ
المعتمد بن عباد
وقصة المعتمد بن عباد شهيرة جداً في كتب الأدب وكتب التاريخ. قال ابن اللبانة:
تبكــي السـماء بمـزنٍ رائحٍ غـادي *** علـى البهاليـل مـن أبنـاء عبـاد
علـى الجبـال الـتي هـدت قواعدها *** وكــانت الارض منهــم ذات أوتــاد
وكتب ابن حمديس إلى المعتمد ابن عباد لما خلع وأخرج:
جرى بك جَدّ بالزّمان عثور *** وجار زمان كنت منه تُجير
لقد أصبحت بيض الظُّبى في غموده *** إناثاً لترك البيض وهي ذكور
ولما رحلتم والندى في أكفّكم *** وقُلْقِل رَضْوَى منكم وثَبير
رفعت لساني بالقيامة قد دنت *** فهذي الجبال الراسيات تطير
فكتب إليه المعتمد ابن عباد من محبسه:
غريب بأقصى المشرقين أسير *** يُبَكّي عليه منبر وسرير
أذلّ بني ماء السماء زمانُهم *** وذُلُّ بني ماء السماء كبير
من تغيروا بسبب الشعر
للشعر دور كبير في تغيير مسار حياة الأفراد والقبائل، وبالتالي تتقلب بهم الأيام والدهور خافضة ورافعة. فبنو تغلب قد ألهاهم عن المكارم وتطلبها، والأمجاد وبلوغها، ما قاله عمرو بن كلثوم في معلقته من فخر شديد.
والمحلق الكلابي الذي أكرم الأعشى بنقاقة وزق خمر، فأكرمه الأعشى بقصيدته القافية التي مدحه بها حتى أجلسه مع الكرم مصطلياً مع النار:
وبات على النار الندى والمحلَّق
أما بنو أنف الناقة فحالهم أشهر من تبيانها هنا. وأشهر منها قصة بني نمير وما آلت إليه حالهم وحال دنياهم بعد الدامغة التي دمغهم بها جرير أبد الدهر.
من قتلهم شعرهم
طرفة بن العبد قتله شعره عندما هجا عمرو بن هند وأخاه. وكذلك المتنبي رفعه شعره حتى قارب به الشمس في عليائها، ثم أسقطه سقطة واحدة فقتله، فهو الذي رفعته آلاف الأبيات وقتله بيت واحد!
شعراء منفيون
قد يغير الشعر حياة شاعر، ابتداءً بالحطيئة الذي رمى به شعره في بئر مظلمة، مروراً بالأحوص الأنصاري الذي نفي إلى دهلك، وصولاً إلى البارودي في سرنديب وما بعد البارودي.
ممن أدركتهم حرفة الأدب
ما هي حرفة الأدب؟
كان من يفجعه الدهر بفاجعة يقال: أدركته حرفة الأدب. وهي جملة غدت وسماً لكل أديب يناله البؤس فيقال حرفة الأدب آفة الأدباء. والمقولة تنطق على وجهين إما بضم الحاء أو كسره. ورجح الضم والذي معناه الحرمان.
وفي هذا المعنى قيلت أمثال كثيرة منها (الرزق عند ذوي الأدب أروغ من ثعلب). فالأدب والفقر كانتا وما زالتا صفتين متلازمتين ترافقان الأديب. فقد كان الشاعر المصري محمود غنيم يُمازح صديقاً له سُرقت محفظته، بقوله:
هوّن عليك وجفّف دمعك الغالي *** لا يجمع الله بين الشّعر والمالِ!
يقول أبو تمام:
إذا عُنيتُ لشَأوٍ خِلت أنيَ قد *** أدركْـتُه أدركتني حرفة الأدب
لا أقتضيك لتقديمٍ وعدت به *** من عادة الغيث أن يأتي بلا طلب
بينما يخشى ابن قلاقس هذا المصير فيقول مخاطبًا الممدوح:
عيون جاهك مني غير نائمة *** وإنما أنا أخشى حرفة الأدب
وهذا دِعبِل الخُزاعي يقول:
لقد علمت وما لي ما أعيش به *** أن التي أدركتني- حرفة الأدب
أبو حيّان التوحيدي
ولعلّ أكثر الأدباء مثالاً لقلّة الحظّ فيما يتوجّه إليه، هو أبو حيّان التوحيدي، الذي كانت حياته نموذجاً لا نظير له على من أدركته حرفة الأدب، حتى انتهى به الأمر إلى أن يُحرق كُتبه بيديه.
من تغيروا بسبب العاطفة
في الأدب العربي كثير من الشعراء وغير الشعراء أخذتهم العاطفة والحب والعشق إلى دنيا غريبة. يقول الصمة القشيري:
فما حسَنٌ أن تأتي الأمر طائعاً *** وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا!
فقد طال تشكي العشاق من معشوقاتهم؛ لأن المعشوق هو الدنيا كلها في عين عاشقه، فإذا ولى ولت معه:
إنما الدنيا أبو دلف *** بين باديه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف *** ولت الدنيا على أثره
وكما قال أبو فراس:
فقالت لقد أزرى بك الدهر بعدنا *** فقلت معاذ الله بل أنت لا الدهر
ويكفينا قصة ديك الجن الذي أحب زوجته ورداً فكانت هي دنياه، فلما قتلها بكى عليها لأنه فقد دنياه، يقول:
قمر أنا استخرجته من دجنه *** لبليتي وجلوته من خدره
فقتلتُهُ ولَهُ عَلَيَّ كَرامَةٌ *** مِلْءَ الحَشا ولهُ الفُؤادُ بأَسْرِهِ
ويقول أحد الشعراء متعجباً من صبره على موت حبيبه:
عجبت لصبري بعده وهو ميّت *** وكنت له أبكي دماً وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلُّها *** عجائب حتى ليس فيها عجائب
وهذا على عكس ما قاله الجواهري:
قد يقتل الحزن من أحبابه بعدوا *** عنه، فكيف بمن أحبابه فقدوا
من تغيروا بسبب الحرب والرحلة
من تقلبات الحياة فروسية عنترة بن شداد، ولم يكن قبل ذلك إلا عبداً لا يحسن إلا الحلب والصر. ومن تقلباتها كافور الإخشيدي الذي كان عبداً بيع واشتُري في سوق العبيد، وقد قال فيه أبو الطيب:
أكلما اغتال عبد السوء سيده *** أو خانه فله في مصر تمهيد
صار الخصي إمام الآبقين بها *** فالحر مستعبد والعبد معبود
وقال في مقصورته:
وماذا بمصر من المضحكات *** ولكنه ضحك كالبكا
بها نبطي من اهل السواد *** يعلم أنساب أهل الفلا
وأسود مشفره نصفه *** يقال له أنت بدر الدجى!
مالك بن الريب
الذي ترك التصعلك وغزا مع سعيد بن عثمان بن عفان وارتحل إلى خراسان فلدغته حية ورثا نفسه:
ألم ترَني بِعتُ الضلالةَ بالهدى *** وأصبحتُ في جيش ابن عفّانَ غازيا
وأصبحتُ في أرض الأعاديَّ بعد ما *** أرانيَ عن أرض الآعاديّ قاصِيا
إلى أن يقول:
فيا صاحبَيْ رحلي دنا الموتُ فانزِلا *** برابيةٍ إنّي مقيمٌ لياليا12
أقيما عليَّ اليوم أو بعضَ ليلةٍ *** ولا تُعجلاني قد تَبيَّن شانِيا34
وقوما إذا ما استلَّ روحي فهيِّئا *** لِيَ السِّدْرَ والأكفانَ عند فَنائيا56
وخُطَّا بأطراف الأسنّة مضجَعي *** ورُدّا على عينيَّ فَضْلَ7 رِدائيا8
لابن زريق في ع9ينيته أبيات عبر فيها عن انقلاب الدنيا عليه فجأة:
ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الدهرَ يَفجَعُنِي *** بِهِ وَلا أَنَّ بِي الأَيّامَ تَفجعُهُ
حَتّى جَرى البَينُ فِيما بَينَنا بِيَدٍ *** عَسراءَ تَمنَعُنِي حَظّي وَتَمنَعُهُ
مضاض بن عمرو الجرهمي
عندما أجلت خزاعةُ بني جرهم عن مكة:
وقائلةٍ والدمع سَكْبٌ مبادر *** وقد شرقت بالدمع منها المحاجرُ
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصَّفا *** أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا *** صُرُوف الليالي والجدود العواثر
من تغيروا بسبب العلم والعقيدة
- أبو الفرج الأصفهاني.
- أبو حيان التوحيدي وإحراق كتبه.
- الحاجب المنصور.
وقد تنقلب حياة المرء بسبب رأي جديد رآه، أو معتقد اعتقده. فكثير من الصعاليك لم يكونوا في حالتهم تلك إلا بعد رأي رأوه في الناس أو قبيلتهم:
وَفي الأَرضِ مَنأى لِلكَريمِ عَنِ الأَذى *** وَفيها لِمَن خافَ القِلى مُتَعَزَّلُ
وفي الأمثال، يقولون للرجل الذي جرب الدنيا في حال يسرها وعسرها أن (حلب الدهر أشطره!). وقد قلت في هذا المعنى:
تتناوبُ الدنيا عليكَ؛ تعسُّرًا *** وتيسُّرًا وتعسُّرًا وتيسُّرا
وسيدنا عمر رضي الله عنه، له حال بعد الإسلام أشهر من أن نعرفكم بها. فأبو العلاء المعري حبس نفسه في بيته نصف قرن بسبب فلسفته الخاصة تجاه الحياة والناس، وهو القائل:
فيا موت زر إن الحياة ذميمة *** ويا نفس جدي إن دهرك هازل
الأطلال والرسوم الدارسة
أفصح الجمادات عن حال الزمان هي الأطلال والرسوم البالية. قال أبو تمام:
إن شئت ألا ترى صبراً لمصطبر *** فانظر على أي حال أصبح الطللُ
ويقول الآخر:
ولقد مررتُ على ديارهمُ *** وطلولها بيد البلى نهبُ
فوقفتُ حتى عجَّ من نصبٍ *** نضوي، ولجَّ بعذليَ الركبُ
وتلفتتْ عيني فمذ خفيتْ *** عني الديارُ تلفت القلبُ
مررت بدار من دُورِ الْكُوفَةِ فَسَمِعْتُ جَارِيَةً تُغَنِّي:
أَلا يَا دَارُ لا يَدْخُلْكِ حُزْنٌ *** وَلا يَغْدِرْ بِصَاحِبِكَ الزَّمَانُ
ثُمَّ مَرَرْتُ بِالدَّارِ فَإِذَا الْبَابُ مَسْدُودٌ وَقَدْ عَلَتْهُ وَحْشَةٌ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الدَّارِ وَبَكَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ وَلا يَتَغَيَّرُ وَالْمَوْتُ غَايَةُ كُلِّ مَخْلُوقٍ.
أناس لم تغيرهم الأيام والليال
نختم بأولئك الذين لم تغيرهم الأيام والليالي، ولم تنل منهم الخطوب والرزايا. يقول أحدهم:
إنا إذا حطمة حتت لنا ورقاً *** نكابد العيش حتى ينبت الورق
ومنهم من يدفع عن نفسه أذى الدنيا بالزهد فيها:
فقر كفقر الأنبياء وغربة *** وصبابة ليس البلاء بواحد!
يقول الآخر:
إذا المرء لم يُقدر له ما يريده *** تحمل ما يُقضى له، شاء أم أبى
والآخر:
مشيناها خطى كتبت علينا *** ومن كتبت عليه خطى مشاها