تقلبات الحياة: قراءة أدبية في صروف الدهر وأحوال الناس
الدنيا طبعها التقلب وديدنها التغير، لا يستقر لها حال ولا يهنأ بها بال. من حرص على جمعها تفرقت عنه، ومن غفل عنها جمعت له من غير جهد ولا تعب. وقد أجمع مجربوها على أنها تغر وتخدع، وقليلاً ما تعطي وكثيراً ما تمنع! صدق المتنبي حين قال:
عَلى عَينِهِ حَتّى يرى صِدقَها كِذبا
لسنا هنا بصدد حديث الزهاد، وإنما هو حديث الأدب والشعر والطرائف عن أحوال الناس مع الدنيا، رفعاً وخفضاً. فمن الناس من تغيرت دنياهم بسبب علم أو مال أو نفوذ، ولكن الكثرة الكاثرة هم الذين ارتدت عليهم الدنيا بالبلاء والشتات. والشعراء، وإن عُرفوا بالكذب الفني، إلا أنهم أصدق من وصف صروف الأيام:
ليت شعري هذه الدنيا لمن؟
ما قيل في الدهر وصروف الأيام والليالي
تبدأ الحكاية من حتمية التقلب التي يواجهها كل بشر، كما وصفها الشاعر:
وَلا بُدَّ لِلإِنسَانِ يَلقَى الثَّمَانِيَهْ
سُرُورٌ وَحُزنٌ وَاجتِمَاعٌ وَفُرقَة
وَيُسرٌ وَعُسرٌ ثُمَّ سُقمٌ وَعَافِيَة
وقد وصف البحتري هذا الدهر بكونه ضيقاً يعقبه انفراج:
وشيكاً وإلا ترحة وانفراجها
وقال أيضاً في موضع آخر:
إذا ساء منها جانب قل جانب
وعن غدر الزمان يقول غيره:
في العمر إلا عاد وهو خصيمها
ما قيل في الشيب والهرم والمرض العضال
تتقلب الدنيا بأشياء نترقبها بحذر، كالشيب والهرم. والشيب هو العلة التي لا يُعزى عليها، بل هي التي تسبب جفاء الغواني:
لولا جفاه لم أشب!
ويرى الشعراء أن الحياة تبيضُّ مع الأيام؛ فيبيضُّ الشعر ثم العين، حتى يُختم البياض بقطن الكفن:
شيبي وقد كنت ذا مال وذا نعم
ما كان لي في بياض الشيب من أرب
أفي الحياة يكون القطن حشو فمي؟!
وعن محاولات إخفاء الشيب يستهزئ أحدهم ممن يصبغ شعره قائلاً:
وليس إلى رد الشباب سبيل!
بينما يرى آخر الجانب المضيء في الشيب فيشبهه بالنجوم في الليل:
فيا حسن ليل لاح فيه نجوم
أما الجاحظ فقد لخص حال الكبر بقوله:
كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب
دريس كالجديد من الثياب
من تغيروا بسبب المال: ذل الفقر وعز الغنى
يُروى أن موسى بن نصير فاتح (الأندلس) كان يرمي بالذهب والفضة ولا يلتقط إلا الجواهر، ثم آل به الحال يتسول بالطائف! وذكر صاحب العود الهندي أنه رأى زوج آخر ملوك آل عثمان تطلب الصدقة في (سنكافورة).
ومن أعجب القصص قصة القاضي عبد الوهاب، الذي عانى الفقر في بغداد وقال:
وللمفاليس دار الضنك والضيقِ
ظللتُ حيران أمشي في أزِقتها
كأنني مصحفٌ في بيت زنديقِ!
وعندما اغتنى في مصر، مات إثر أكلة اشتهاها، فقال: "لا إله إلا الله، لما عِشنا مُتنا". والمال قد يزول بسبب الكرم، كما قال أبو تمام:
فالسيل حرب للمكان العالي
وقد كان سفيان الثوري يحرص على المال ويقول: "لولا المال لتمندل بنا الملوك". أما المتنبي فيربط بين المال والمجد:
ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
ويحذر ابن الجوزي في كتابه الحمقى من تصديق عودة العقل للأحمق، بينما يصدق تقلب المال:
فلا ترتقب إلا خمول نبيه
من تغيروا بسبب السياسة والسلطان
في السياسة تظهر أعظم التقلبات، كحال امرئ القيس الذي تحول من حياة اللهو إلى الموت بالقروح. وكذلك نهاية مروان الحمار الذي أكلت الهرة لسانه بعد قتله.
ومن القصص المؤثرة ما حدث لـ آل برمك، حيث وصفت أم جعفر البرمكي حالها في العيد قائلة: "مضى عليّ مثل هذا اليوم العام الماضي وعلى رأسي مئة وصيفة، واليوم أطلب درهماً أتبلغ به".
وكذلك قصة ابنة النعمان بن المنذر حين دخلت على معاوية وقالت:
إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها
نقلب تَارَاتٍ بِنَا وَتُصَرِّفُ
ولا ننسى نكبة المعتمد بن عباد الذي رثاه ابن اللبانة و ابن حمديس، فرد عليهم من محبسه:
يُبَكّي عليه منبر وسرير
من تغيروا بسبب الشعر: رفعة وهلاكاً
للشعر سلطة تغير مصائر القبائل؛ فقد رفع الأعشى من شأن المحلق الكلابي، وحط جرير من قدر بني نمير. وهناك من قتلهم شعرهم مثل طرفة بن العبد و المتنبي الذي رفعه آلاف الأبيات وقتله بيت واحد!
كما كان الشعر سبباً في نفي الشعراء كـ الحطيئة و الأحوص الأنصاري و البارودي في سرنديب.
ممن أدركتهم "حرفة الأدب"
حرفة الأدب (بضم الحاء أي الحرمان) هي الآفة التي لازمت الأدباء والفقر. يقول أبو تمام:
أدركْـتُه أدركتني حرفة الأدب
ولعل أبا حيان التوحيدي هو المثال الأبرز لهذه الحرفة، حيث انتهى به البؤس إلى إحراق كتبه بيديه. ومازح محمود غنيم صديقاً له سُرقت محفظته بقوله:
لا يجمع الله بين الشّعر والمالِ!
من تغيروا بسبب العاطفة والحرب والعلم
في الحب، قد تنقلب الدنيا برحيل المحبوب، كما في قصة ديك الجن الذي قتل زوجته "ورداً" ثم بكاها دماً. أما في الحرب، فقد تحول عنترة بن شداد من عبد إلى سيد، و كافور الإخشيدي من عبد يباع إلى حاكم لمصر.
وفي الرحلة، نجد مرثية مالك بن الريب لنفسه، وسينية ابن زريق البغدادي الذي فجعه الدهر في غربته:
بِهِ وَلا أَنَّ بِي الأَيّامَ تَفجعُهُ
أما العلم والعقيدة، فقد غيرت مسار حياة الكثيرين، مثل أبو العلاء المعري الذي حبس نفسه نصف قرن، و سيدنا عمر رضي الله عنه الذي صار بالإسلام فاروقاً للأمة.
الأطلال والرسوم الدارسة
أفصح ما ينبئ عن تقلب الزمان هي الأطلال. يقول أبو تمام:
فانظر على أي حال أصبح الطللُ
وقد مر أحدهم بدار في الكوفة سمع فيها جارية تغني:
وَلا يَغْدِرْ بِصَاحِبِكَ الزَّمَانُ
ثم عاد إليها فوجد الباب مسدوداً والوحشة تعلوها، فقيل له: "إن الله يغير ولا يتغير".
الخاتمة: أناس لم تغيرهم الأيام
نختم بأولئك الذين لم تنل منهم الخطوب، الذين يقابلون تقلبات الدنيا بالصبر والزهد:
نكابد العيش حتى ينبت الورق
فالمؤمن بحق هو من يتحمل ما يُقضى عليه، سواء شاء أم أبى، مدركاً أن الحياة خطىً مكتوبة:
ومن كتبت عليه خطى مشاها