شريط الأخبار

المتنبي | مالئ الدنيا وشاغل الناس

مقدمة المقال

هذا المقال مقتبس من حلقة صوتية من بودكاست «أطلال»، يتناول سيرة أبي الطيب المتنبي، الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، في رحلةٍ تجمع بين التاريخ، والشعر، والحكمة، والإنسان المتقلب بين المجد والانكسار. وهو تحويل أمين لمحتوى الحلقة إلى نص مكتوب، مع تهذيب لغوي وتنظيم يُيسّر القراءة دون المساس بروح الكلام الأصلي.


لكل مقامٍ مقال: لماذا المتنبي؟

تقول العرب: لكل مقامٍ مقال، ونحن في هذا المقام الأدبي الرفيع، لا يليق بنا إلا أن يكون المقال في قيمة المقام نفسه، بل يفوقه جمالًا وشاعرية. فنحن في حضرة شاعرٍ أتعب النقاد من بعده، وملأ شعره الدنيا وشغل الناس، حتى قيل فيه:

«ما رأيتُ ولا سمعتُ أن شاعرًا جلس الممدوح بين يديه مستمعًا لمدحه غيرَ أبي الطيب».

هو المتنبي؛ كفّتا ميزانٍ لا تميلان، لا تقبلان زيادة ولا نقصانًا، وإن كثرت فيهما المعاني.


المتنبي وخصومه: ابن العميد نموذجًا

كان من أشهر خصوم المتنبي الوزير الأديب ابن العميد، الملقب بالجاحظ الثاني. وكان يثقل ذكر المتنبي ويغضبه، حتى إذا ذُكر في مجلسه استشاط كأنما مُسّ عرضه.

ويروي أحد أصحابه أنه دخل عليه بعد وفاة أخته، فوجده ممتلئًا كمدًا، فقال له: ما بالك؟
قال:

«إنه ليغيظني أمر هذا المتنبي، كلما حاولت إحراق اسمه فاح كأنه عود!»

ثم قال:

«ورد عليّ نيف وستون كتابًا في التعزية، ما منها إلا وصُدِّر بقول المتنبي»:

طوى الجزيرةَ حتى جاءَني خبرٌ
فزِعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ
حتى إذا لم يدع لي صدقُه أملًا
شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرقُ بي

وهنا يصدق المتنبي حين قال:

وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدي
إذا قلتُ شعرًا أصبح الدهرُ مُنشدًا


نسبه ونشأته

ولد أحمد بن الحسين، المكنى بأبي الطيب المتنبي، سنة 303هـ بالكوفة، في موضع يُقال له كِندة. وقُتل سنة 354هـ بدير العاقول، على مشارف بغداد، فعاش قرابة إحدى وخمسين سنة.

اختلف المؤرخون في نسبه اختلافًا كبيرًا، والمتنبي نفسه لم يذكر في ديوانه شيئًا عن نسبه. حتى قال بعضهم: لولا سنة الله في أن لكل طفل أبًا، لقلنا إن المتنبي خرج من العدم!

ومن أشهر الأقوال ما رجّحه أبو فهر، ناقلًا عن ابن عساكر، أن نسبه:

أحمد بن الحسين بن مرة بن عبد الجبار الجعفي
وأنه أُرضع من امرأة علوية.

فقال أبو فهر:

«وإن لم يكن علوي النسب صليبة، فهو علوي رضاعًا».


طفولة مبكرة وذكاء خارق

بعد فطامه، أخذه أبوه إلى بادية السماوة ليتعلم العربية من منبعها. ثم عاد إلى الكوفة ولسانه عربي مبين.

وفي الثامنة من عمره، لازم دكاكين الورّاقين، وهناك ظهرت عبقريته. ومن أشهر القصص أنه حفظ كتابًا في اللغة من ثلاثين ورقة في ساعة واحدة، فتلاه على صاحبه غيبًا، فوهبه الكتاب.

ثم عاد إلى البادية سنتين، فاستقام لسانه، وعاد إلى الكوفة، ومنها إلى بغداد، حيث نهل من علوم كبار العلماء كابن درستويه ونفطويه.


الترحال وبداية التحول

في السادسة عشرة من عمره، قال:

«ليس ثمة مكان يحتويني هنا»

فبدأ رحلة الترحال الكبرى، لا طلبًا للعلم وحده، بل للمجد. وكان فقيرًا، حتى قال:

أَوانًا في بيوتِ البدوِ رَحلي
وآوِنَةً على قَتَدِ البعيرِ


ادعاء النبوة: حقيقة أم تهمة؟

في بادية حمص قيل إنه ادّعى النبوة، وقيل بل لُقّب بالمتنبئ لحيلٍ أظهرها، وقيل غير ذلك. والمتنبي أنكر ذلك لاحقًا، وقال إن الناس هم من قالوا، لا هو.

ومن أكثر ما استدلوا به قوله:

ما مقامي بأرض نخلةَ إلا
كمقام المسيح بين اليهود

أنا في أمةٍ تداركها الله
غريبٌ كصالحٍ في ثمود

والقول في هذه المسألة طويل، بين مثبت ونافٍ ومتوسط.


السجن والكبرياء

سُجن المتنبي في حمص سنة 321هـ بأمر الأمير لؤلؤ. ومكث ثلاث سنوات. وعُرض عليه أن يستعطف الأمير بقصيدة، فأبى وقال:

«والله لو بقيت عمري في السجن ما فعلت».

لكن الجوع والضيق كسرا حدّة الكبرياء، فكتب قصيدة يبين فيها أنه ليس نبيًا، فأُطلق سراحه.


القصيدة الدينارية

مدح علي بن منصور الحاجب، فلم يعطه إلا دينارًا واحدًا، فسمّيت القصيدة بالدينارية، وقال فيها:

أَظمَتنيَ الدنيا فلما جئتها
مستسقيًا مطرت عليَّ مصائبا


زواجه، وجدته، والرثاء الخالد

قيل إنه تزوج امرأة شامية، وأنجب منها ابنه محسّد.
وفي سنة 329هـ ماتت جدته شوقًا إليه، فرثاها بقصيدة من أجمل مراثي العرب، منها:

ألا لا أُري الأحداثَ حمدًا ولا ذمّا
فما بطشُها جهلًا ولا كفُّها حلمَا

أحنُّ إلى الكأسِ التي شربت بها
وأهوى لمثواها الترابَ وما ضمّا


سيف الدولة: السنوات الذهبية

أمضى المتنبي تسع سنوات في بلاط سيف الدولة الحمداني، قال فيها أروع شعره، وعُرفت قصائده بـالسيفيات. وكان سيف الدولة يجزيه بثلاثة آلاف دينار، فحسده الشعراء.

ومن أشهر قصائده هناك:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدَا

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

لكن الحسد دب، حتى وقعت القطيعة الشهيرة بعد حادثة ابن خالويه، فقال المتنبي قصيدته العاتبة الخالدة:

واحرَّ قلباه ممن قلبه شبمُ
ومن بجسمي وحالي عنده سقمُ


كافور الإخشيدي والهجاء المر

اتجه المتنبي إلى مصر طمعًا في ولاية، ومدح كافورًا، لكنه خُيّب، فهرب ليلة العيد، وترك قصيدته الشهيرة:

عيدٌ بأيّة حالٍ عدتَ يا عيدُ
بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديدُ

ثم قال بيته القاسي:

لا تشترِ العبدَ إلا والعصا معه
إن العبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ


الرحلة الأخيرة والمقتل

في طريق عودته إلى الكوفة، قُتل المتنبي سنة 354هـ على يد فاتك الأسدي، خال ضبة الذي هجاه.
وحين همّ بالفرار، ذُكّر ببيته:

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

فقيل إنه قال:

«قتلتني بها!»

فقاتل حتى قُتل، في مشهد يليق بأسطورة.


المتنبي بعد الموت: خلود الحكمة

انتهى المتنبي جسدًا، وبقي فكرًا وشعرًا. بقيت حكمه على ألسنة الناس:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا
كنقص القادرين على التمام

وكما قال الرافعي:

«المتنبي زمانٌ يمتد في الزمان».


خاتمة ودعوة للتفاعل

هذه كانت رحلة مختصرة في خمسين عامًا، صنعت ما لم تصنعه قرون.
إن أعجبك هذا المقال، فشاركْه مع من يحب الأدب، واستمع إلى حلقة بودكاست «أطلال» الكاملة؛ فالصوت يحمل من الروح ما تعجز عنه السطور.


الأقسام
author-img
أبوطالب الشقيفي

إستكشاف المزيد

أنت تشاهد أحدث مقال

نموذج الاتصال