تعليق الأستاذ حسين بافقيه على أبيات لي
الأبيات:
كم نبضةٍ في حنايا خافقي عَزَفَتْ
لحنَ الحياةِ وكم عشقٍ بذاك جرى!
الله يعلمُ أني لستُ مدّعيًا؛
لا غيرَ حبكِ في نبض الفؤاد أرى
إن كان في الحبِّ مَنْ يختارُ صاحبَهُ
فأنت تلك التي أحببتُها قَدَرَا !
وأنت تلك التي من أجل بَحَّتِها
ووجهِهَا قد عشقتُ السمعَ والبصَرَا
وأنت كلُّ الأماني داخلَ امرأةٍ
قد غُلِّفَتْ واستحالت صدفةً بشَرَا !
تعليق الأستاذ حسين بافقيه:
الشَّاعر أبو طالب بن محمَّد [ولا أعرفُ هلْ أبو طالبٍ اسْمٌ أمْ كُنْيَةٌ] = مِنْ أصدقاءِ الفيسبوك.. ومُعْظَمُ ما يَنْشُرُهُ في صفحتِهِ شِعْرٌ هو مُنْشِئُهُ ومُبْدِعُهُ..
وشِعْرُهُ - بادِيَ الرَّأيِ - جيِّدٌ، ولُغَتُهُ مُحْكَمةٌ، ومِنَ البَيِّنِ أنَّهُ يتعشَّقُ الدِّيباجةَ القديمةَ، وهو فيها بَيْنَ بَيْنَ؛ بَيْنَ "الأعرابيَّةِ" و"الحضريَّةِ"، ولا أدري هَلِ اختارَ ذلكَ عامِدًا عالِمًا، أَمْ أنَّهُ يَشْتَدُّ فيتعرَّبُ، ويَلِينُ فيتحضَّرُ، لكنَّهُ، بالقِياسِ إلى عصرِنا هذا، مِنَ أهلِ الفصاحةِ..
ويُخَيَّلُ إلَيَّ أنَّ صاحِبَنا أبا طالب يُشْقِي نَفْسَهُ ويُتْعِبُها [والشِّعرُ الشَّاعرُ شقاءٌ وتَعَبٌ]، لِيُصَوِّرَ ما يُريدُهُ بأُسلوبٍ عربيِّ لا نُمْسِكُ بهِ، اليومَ، إلا عندَ الآحادِ مِنَ الشُّعراءِ، أمَّا انتهاجُهُ قصيدةَ العَمُودِ فكأنَّما هو اعتقادٌ لا سبيلَ إلى زحزحتِهِ عنهُ..
وفي شِعْرِ أبي طالبٍ [وسأمُثِّلُ بأبياتِهِ المُصَوَّرةِ هذهِ] ما يُوْشِكُ أن يكونَ احتذاءً مقصودًا، حتَّى لوْ قُلْتُ: إنَّهُ يحتذي قصيدةً بعينِها، ما خالفْتُ الحقيقةَ، وليسَ ذلكَ بالعيبِ الذي يُسْتَتَرُ مِنْهُ، أمَّا لَوْ صارَتْ هذهِ اللُّغةُ المتينةُ المُحْكَمةُ طَبعًا فيهِ لا يتكلَّفُهُ، فواجِبٌ عَلَيَّ أنْ أُهَنِّئَهُ علَى هذا النَّحوِ مِنَ الشِّعرِ السَّديدِ: عليهِ إذا خَشُنَ وتَعَرَّبَ، شَمْلَةُ الباروديِّ، وإذا لانَ وتَحَضَّرَ، رِقَّةُ شوقيٍّ!
علَى أنَّ هذهِ اللُّغةَ التي هي بَيْنَ بَيْنَ، حقيقٌ بصاحِبِها أن يُجْهِدَ نَفْسَهُ ويُتْعِبُها، فيَبُثَّ في أوصالِها معانِيَ ذاتَ خطرٍ، أبعدَ مِنْ نأْمةِ الْحُبِّ التي ليس فيها كبيرُ فَنٍّ..
ثُمَّ إنَّ الشَّاعرَ، فيما أُقَدِّرُ، يَمِيلُ إلى رأيٍ الشِّعْرُ فيهِ "فَيْضٌ تَلقائيٌّ لعواطفَ فيَّاضةٍ"؛ وهو الرَّأيُ الذي صَيَّرَهُ وردزورث عقيدةً عندَ الرُّومنطيقيِّينَ. فإنْ صَحَّ ما قَدَّرتُهُ، فذلكَ مُخالِفٌ لهذهِ اللُّغةِ التي لَمْ تَلِنْ لأبي طالبٍ إلا بعدَ شُمُوسٍ، وعندي أنَّ الشَّاعرَ الشَّاعرَ هو الذي "يَقْدِرُ" علَى النَّظْمِ حيثُ أُرِيدَ، ويُنْزِلُ المعانيَ التي يتصيَّدُها، منزلةَ العواطفِ عندَ الرُّومنطيقيِّينَ.. علَى هذا كانَ مُعظَمُ الشُّعراءِ العربِ؛ الشِّعْرُ عندَهُمْ "قُدْرةٌ"، لا "تعبيرٌ"، وإلا ما الجديدُ في هذهِ الأبياتِ؟
وعندي أنَّ البيتَ الرَّابِعَ هو إلى السُّخْفِ أقربُ مِنْهُ إلى الشِّعْرِ! وأخشَى أنَّ يظُنَّ أبو طالبٍ أنَّهُ افترَعَ - بهذا الكلامِ العامِّيِّ - معنًى لمْ يَقَعْ عليهِ السَّابقونَ واللَّاحقونَ.. أمَّا البيتُ الأخيرُ فلن يَرْضَى عنهُ أربابُ الفصاحةِ. ومتَى كانتِ "الصُّدْفةُ" مِنْ مُستعمَلِ مَن يَتَوَخَّوْنَ الفصاحةَ ويطلبونَ السَّلامةَ اللُّغويَّةَ؟!