أَهْلًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بَرْنَامِجِنَا الأَدَبِيِّ، حَيْثُ نُبْحِرُ سَوِيًّا فِي مَلَامِحِ التَّارِيخِ لِنَسْتَحْضَرَ أَرْوَاحًا صَاغَتِ الوِجْدَانَ العَرَبِيَّ بِقَصَائِدَ لَا تَبْلَى. لَطَالَمَا كَانَ الأَدَبُ مِرْآةً لِلْعَصْرِ، وَلَطَالَمَا كَانَ الشُّعَرَاءُ هُمْ حُمَاةَ الذَّاكِرَةِ وَرُوَّادَ التَّجْدِيدِ، وَحِينَ نَتَحَدَّثُ عَنِ التَّجْدِيدِ فِي مَفْرِقِ الطُّرُقِ بَيْنَ دَوْلَتَيْنِ، الأُمَوِيَّةِ وَالعَبَّاسِيَّةِ، لَا يُمْكِنُ لِخَيَالِنَا إِلَّا أَنْ يَقِفَ إِجْلَالًا أَمَامَ عِمْلَاقٍ بَصِيرٍ، رَأَى بِقَلْبِهِ مَا لَمْ يَرَهُ المُبْصِرُونَ بِعُيُونِهِمْ. إِنَّ طَبِيعَةَ الإِبْدَاعِ لَا تَعْرِفُ العَجْزَ، بَلْ تَتَّخِذُ مِنَ المِحْنَةِ مِحْرَابًا لِلصَّلَاةِ الفَنِّيَّةِ، وَهَكَذَا كَانَ بَشَّارُ بنُ بُرْدٍ، ذَلِكَ الشَّاعِرُ الَّذِي مَلأَ الدُّنْيَا بِشَغَبِهِ الشِّعْرِيِّ وَصُوَرِهِ البَاذِخَةِ، وَكَأَنَّهُ نَسِيمُ الصَّبَا حِينَ يَمْتَزِجُ بِمَطَرِ الفَصَاحَةِ لِيُنْبِتَ فِي صَحْرَاءِ القَرِيحَةِ أَجْمَلَ الرِّيَاضِ. فِي هَذِهِ الجَلْسَةِ، سَنَكْشِفُ عَنِ السِّتَارِ المَسْدُولِ عَلَى حَيَاةِ "المُرَعَّثِ"، لِنَعْرِفَ كَيْفَ طَوَّعَ اللُّغَةَ، وَكَيْفَ خَاضَ غِمَارَ السِّيَاسَةِ وَالدِّينِ وَالمُجُونِ، حَتَّى غَدَا أَيْقُونَةً لَا تَغِيبُ عَنْ سَمَاءِ الأَدَبِ.
البَصْرَةُ: مَهْدُ العَبْقَرِيَّةِ وَمَلْتَقَى الثَّقَافَاتِ
لِنَبْدَأَ رِحْلَتَنَا مِنْ تِلْكَ المَدِينَةِ الَّتِي كَانَتْ تَمُوجُ بِالحَيَاةِ وَالفِكْرِ، مَدِينَةِ البَصْرَةِ فِي القَرْنِ الثَّانِي الهِجْرِيِّ. لَمْ تَكُنِ البَصْرَةُ حِينَهَا مُجَرَّدَ بَيْتٍ لِلسَّكَنِ، بَلْ كَانَتْ مَحْضَنَ العَبْقَرِيَّةِ وَمَلْتَقَى الثَّقَافَاتِ العَالَمِيَّةِ مِنَ العَرَبِ وَالفُرْسِ وَالهِنْدِ.. كَانَت أَزِقَّتُهَا تَشْهَدُ سِجَالَاتِ المُعْتَزِلَةِ وَعُلَمَاءِ اللُّغَةِ، وَكَانَ "المَرْبِدُ" فِيهَا سُوقًا لِلأَدَبِ يُضَاهِي "عُكَاظَ" فِي بَهَائِهِ، حَيْثُ تُصْقَلُ القَرِيحَةُ وَتُقَعَّدُ القَوَاعِدُ. وقد تحدثت عن هذا في الحلقة الثالثة عشرة التي كانت عن أسواق العرب. فِي هَذَا المُنَاخِ الَّذِي يَخْتَلِطُ فِيهِ جَدَلُ المُتَكَلِّمِينَ بِفَصَاحَةِ الأَعْرَابِ، نَشَأَ بَشَّارٌ لِيَسْتَقِيَ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الرَّوَافِدِ، فَتَأَثَّرَ بِمُنَاظَرَاتِ عِلْمِ الكَلَامِ الَّتِي أَضْفَتْ عَلَى شِعْرِهِ طَابَعًا عَقْلِيًّا دَقِيقًا، وَانْتَشَقَ عَبِيرَ التَّرَفِ الَّذِي أَفْرَزَ غَزَلَهُ المَاجِنَ، بَيْنَمَا حَافَظَ عَلَى لُغَةٍ بَدَوِيَّةٍ خَالِصَةٍ اِكْتَسَبَهَا مِنْ بَادِيَةِ بَنِي عُقَيْلٍ، مِمَّا جَعَلَهُ نَمُوذَجًا فَرِيدًا لِجِيلِ "المُوَلَّدِينَ" الَّذِينَ وَفَّقُوا بَيْنَ صَلَابَةِ الأَصْلِ وَرِقَّةِ العَصْرِ. هَذِهِ البِيئَةُ الغَنِيَّةُ هِيَ الَّتِي جَعَلَتْ مِنْ بَشَّارٍ لَيْسَ فَقَطْ شَاعِرًا، بَلْ خَطِيبًا مُفَوَّهًا وَمُفَكِّرًا يَتَمَرَّدُ عَلَى القَوَالِبِ الجَامِدَةِ، لِيَبْنِيَ عَالَمَهُ الخَاصَّ وَسْطَ زِحَامِ الأَفْكَارِ وَالمَذَاهِبِ.
نَسَبُ بَشَّارٍ وَتَكْوِينُ شَخْصِيَّتِهِ
أَمَّا عَنِ اِسْمِهِ وَنَسَبِهِ، فَمَا أَعْجَبَ تِلْكَ القِصَّةَ الَّتِي تَمْتَزِجُ فِيهَا مَرَارَةُ الرِّقِّ بِأَحْلَامِ المُلُوكِ. هُوَ بَشَّارُ بنُ بُرْدِ بنِ يَرْجُوخَ، وَيُكْنَى أَبَا مُعَاذٍ، وَيَمْتَدُّ أَصْلُهُ إِلَى إِقْلِيمِ طَخَارِسْتَانَ فِي خُرَاسَانَ. تَبْدَأُ المَأْسَاةُ وَالفَخْرُ مَعَ جَدِّهِ يَرْجُوخَ، الَّذِي كَانَ مِنَ الأَحْرَارِ قَبْلَ أَنْ يقع فِي السَّبْيِ خِلَالَ فُتُوحَاتِ المُهَلَّبِ بنِ أَبِي صُفْرَةَ، لِيُنْقَلَ إِلَى البَصْرَةِ حَيْثُ وُلِدَ ابْنُهُ بُرْدٌ مَمْلُوكًا لِخَيْرَةَ القُشَيْرِيَّةِ، زَوْجَةِ المُهَلَّبِ. كَانَ وَالِدُهُ بُرْدٌ رَجُلًا بَسِيطًا يَعْمَلُ طَيَّانًا، وَقَدْ زَوَّجَتْهُ مَوْلَاتُهُ خَيْرَةُ لِأَمَةٍ رُومِيَّةٍ يُقَالُ إِنَّ اسْمَهَا غَزَالَةُ، فَجَاءَ بَشَّارٌ إِلَى الدُّنْيَا فِي نِهَايَةِ القَرْنِ الأَوَّلِ الهِجْرِيِّ، نَحْوَ سَنَةِ سِتٍّ وتسعين للهجرة، وَقَدْ وُلِدَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُ. أَعْتَقَتْهُ العُقَيْلِيَّةُ الَّتِي وُهِبَ لَهَا، فَانْتَسَبَ إِلَى بَنِي عُقَيْلٍ بِالوَلَاءِ، لَكِنَّهُ ظَلَّ يَفْتَخِرُ بِأَصْلِهِ الفَارِسِيِّ مُحَاوِلًا رَفْعَ نَسَبِهِ إِلَى أَكَاسِرَةِ الفُرْسِ لِيُعَوِّضَ رِقَّ آبَائِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ الشَّهِيرُ:
وَنُبِّئتُ قَوماً بِهِم جِنَّةٌ ** يَقولونَ مَن ذا وَكُنتُ العَلَم
أَلا أَيُّها السائِلي جاهِداً ** لِيَعرِفَني أَنا أَنفُ الكَرَم
نَمَت في الكِرامِ بِني عامِرٍ ** فُروعي وَأَصلي قُرَيشُ العَجَم
وَقَدْ عُرِفَ بَشَّارٌ بِلَقَبِ "المُرَعَّثِ"، وَهُوَ لَقَبٌ لُقِّبَ بِهِ لأنَّ أُمَّهُ كانت تعلق في أذنيه "رِعَاثًا" أَيْ أقراطا مِنَ الذَّهَبِ لِيَتَمَيَّزَ بِسَبَبِ عَمَاهُ. هَذَا التَّكَوُّنُ الهُجِينُ بَيْنَ الرِّقِّ وَالنَّسَبِ المَلَكِيِّ المَزْعُومِ، وَبَيْنَ العَمَى وَالبَصِيرَةِ، خَلَقَ نَفْسِيَّةً مُتَمَرِّدَةً لَمْ تَقْنَعْ بِالمَأْلُوفِ، وَسَعَتْ لِإِثْبَاتِ ذَاتِهَا عَبْرَ العَبْقَرِيَّةِ الشِّعْرِيَّةِ الفَذَّةِ.
إِمَامُ المُحْدَثِينَ وَثَوْرَةُ التَّجْدِيدِ
وَمِنْ هُنَا اِنْطَلَقَتِ الثَّوْرَةُ الشِّعْرِيَّةُ التَّجْدِيدِيَّةُ الَّتِي قَادَهَا بَشَّارٌ، لِيَكُونَ الحَدَّ الفَاصِلَ بَيْنَ القَدِيمِ وَالمُحْدَثِ. يعد بشار بن برد رائد المجددين في الشعر، فبشارٌ بحق إمامُ المُحدَثين، وهو ما أكده ابن رَشيق بأنه أولُ من فتق البديع من المحدثين. ولذلك يعد بشار بن برد إمام المحدثين وزعيم المجددين . لَمْ يَكُنْ تَجْدِيدُهُ مُجَرَّدَ اِبْتِكَارِ أَلْفَاظٍ، بَلْ كَانَ تَغْيِيرًا فِي رُوحِ القَصِيدَةِ العَرَبِيَّةِ وشعبيتها، فقد أَدْخَلَ الشَّعْبِيَّةَ إِلَى الشِّعْرِ بِتَنَاوُلِهِ مَوْضُوعَاتٍ يَوْمِيَّةً بَسِيطَةً، وَمِنْ ذَلِكَ قَصِيدَتُهُ فِي جَارَتِهِ رَبَابَةَ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:
رَبَابَةُ رَبَّةُ البَيْتِ ** تَصُبُّ الخَلَّ فِي الزَّيْتِ
وَحِينَ عُوتِبَ عَلَى اِسْفَافِ هَذِهِ الأَبْيَاتِ، رَدَّ بِأَنَّهَا لَدَى رَبَابَةَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ اِمْرِئِ القَيْسِ "قِفَا نَبْكِ". وقد بَرَعَ بَشَّارٌ فِي التَّصْوِيرِ الفَنِّيِّ لِلْمَحْسُوسِ، فَتَجِدُهُ يُشَبِّهُ المَسْمُوعَاتِ بِالمَرْئِيَّاتِ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَةٍ، مِثْلَ تَشْبِيهِهِ لِـ"رَجْعِ الحَدِيثِ" بِـ"قِطَعِ الرِّيَاضِ". وهي تشبيهات غير مألوفة قبله؛ لأنه شبه المسموع بالمرئي، فقال:
وَكَأَنَّ رَجْعَ حَديثِها ** قِطَعُ الرِّياضِ كُسِينَ زَهُرا
وَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ جَدَّدَ فِي الأَوْزَانِ الشِّعْرِيَّةِ فَنَظَمَ فِي المَقْطُوعَاتِ القَصِيرَةِ، وَالرُّبَاعِيَّاتِ، وَالمُزْدَوَجِ، وَالمُسَمَّطَاتِ، مِمَّا مَهَّدَ الطَّرِيقَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِثْلَ أَبِي نُوَاسٍ وَأَبِي تَمَّامٍ، حَتَّى شَهِدَ لَهُ النُّقَّادُ بِأَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ هُوَ تِلْمِيذٌ فِي مَدْرَسَتِهِ.
بَصِيرَةُ الأَكْمَهِ وَعَبْقَرِيَّةُ الصُّوَرِ
إِنَّ التَّفَكُّرَ فِي عَالَمِ الأَكْمَهِ يَكْشِفُ عَنْ قُدْرَاتٍ خَارِقَةٍ لِلْعُمْيَانِ فِي تَارِيخِ الأَدَبِ العَرَبِيِّ، وَبَشَّارٌ هُوَ نَمُوذَجُهَا الأَسْمَى. رَغْمَ أَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى، إِلَّا أَنَّهُ اِسْتَعَاضَ عَنِ البَصَرِ بِبَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ وَحَوَاسٍّ حَادَّةٍ، فَكَانَ يَسْتَقِي صُوَرَهُ مِنْ وَصْفِ النَّاسِ ثُمَّ يُعِيدُ تَلْوِينَهَا فِي خَيَالِهِ، مِمَّا جَعَلَهُ يَتَفَوَّقُ عَلَى المُبْصِرِينَ فِي رَسْمِ المَشَاهِدِ البَصْرِيَّةِ. لَقَدْ جَعَلَ بَشَّارٌ مِنَ اللَّوْنِ انْفِعَالًا نَفْسِيًّا؛ فَاللَّيْلُ عِنْدَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ظُلْمَةٍ، بَلْ هُوَ سَاحَةٌ لِتَلَاحُمِ السُّيُوفِ، وَقَدْ أَعْجَزَ الأَصْمَعِيَّ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِنَا ** وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُه.
هَذَا التَّشْبِيهُ التَّمْثِيلِيُّ المُرَكَّبُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الغُبَارِ (النَّقْعِ) وَالسُّيُوفِ المُتَسَاقِطَةِ كَالنُّجومِ، يُثْبِتُ أَنَّ الشَّاعِرَ الكَفِيفَ يَرَى بِأُذُنِهِ مَا لَا تَرَاهُ العُيُونُ، وَقَدْ قَرَّرَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ الوِجْدَانِيَّةَ بِقَوْلِهِ المَشْهُورِ:
يَا قَوْمِ أُذْنِي لِبَعْضِ الحَيِّ عَاشِقَةٌ ** وَالأُذْنُ تَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أَحْيَانًا.
وَمِنْ بَرَاعَةِ هَؤُلَاءِ المَكْفُوفِينَ مَا نَرَاهُ لَاحِقًا عِنْدَ أَبِي العَلَاءِ المَعَرِّيِّ، الَّذِي كَانَ يَحْفَظُ القَصَائِدَ الطَّوِيلَةَ مِنْ سَمَاعٍ وَاحِدٍ، وقد ذكرت هذا في الحلقة التاسعة التي خصصتها لأبي العلاء المعري. وَكذلك من أذكياء العميان طَه حُسَيْنٍ الَّذِي هَزَمَ العَمَى بِالإِرَادَةِ، لِيَظَلَّ بَشَّارٌ هُوَ المُلْهِمَ الأَوَّلَ لِكُلِّ مَنْ حُرِمَ البَصَرَ وَرُزِقَ عَبْقَرِيَّةَ الصُّوَرِ.
نِتَاجُهُ الشِّعْرِيُّ وَأَصْدَاءُ النُّقَّادِ
وَلَو نَظَرْنَا إِلَى شِعْرِ بَشَّارٍ المَطْبُوعِ، لَوَجَدْنَاهُ بَحْرًا لَا سَاحِلَ لَهُ، حَيْثُ بَلَغَ نِتَاجُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ بَيْتٍ شَمِلَتْ فُنُونَ القَوْلِ كَافَّةً. كَانَ بَشَّارٌ شَاعِرًا يَنْسَابُ الشِّعْرُ عَلَى لِسَانِهِ بِسَلَاسَةٍ دُونَ تَكَلُّفٍ، وَهُوَ مَا دَعَا الجَاحِظَ لِوَصْفِهِ بِأَنَّهُ "أَطْبَعُ الشُّعَرَاءِ المُوَلَّدِينَ". تَنَوَّعَتْ أَغْرَاضُهُ بَيْنَ المَدِيحِ لِلتَّكَسُّبِ، مِثْلَ بَائِيَّتِهِ فِي مَدْحِ يَزِيدَ بنِ عُمَرَ بنِ هُبَيْرَةَ، وَبَيْنَ الهِجَاءِ الَّذِي كَانَ سِلَاحَهُ الَّذِي يَتَّقِيهِ الخُصُومُ بِالأَمْوَالِ. أَمَّا الغَزَلُ، فَهُوَ الرُّكْنُ الأَفْسَحُ فِي دِيوَانِهِ، حَيْثُ مَزَجَ فِيهِ بَيْنَ العَاطِفَةِ الصَّادِقَةِ فِي قَصَائِدِهِ لِـ"عَبْدَةَ"، وَبَيْنَ الحِسِّيَّةِ المَاجِنَةِ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ رُوحِ العَصْرِ. وَمِنْ عُيُونِ حِكْمَتِهِ الَّتِي تَنَاقَلَتْهَا الأَجْيَالُ قَوْلُهُ:
إِذَا كُنْتَ فِي كُلِّ الذُّنُوبِ مُعَاتِبًا ** صَدِيقَكَ لَمْ تَلْقَ الَّذِي لَا تُعَاتِبُه
وهو بيت شهير، يشبهه في معناه قول الآخر:
ومن يتتبع جاهدا كل عثرة ** يجدها، ولا يسلم له الدهر صاحبُ!
فَهُوَ هُنَا -أعني بشارا- يَصُوغُ العَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةَ بِقَالَبٍ مَنْطِقِيٍّ سَلِسٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الفَنِّ وَالفَلْسَفَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ. وَقَدْ اِحتَلَّ شِعْرُ بَشَّارٍ مَكَانَةً رَفِيعَةً عِنْدَ كِبَارِ النُّقَّادِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، رَغْمَ مَا أُثِيرَ حَوْلَهُ مِنْ جَدَلٍ. الجَاحِظُ أَثْنَى عَلَى بَرَاعَتِهِ فِي كِتَابِهِ "البَيَانُ وَالتَّبْيِينُ"، وَاعْتَبَرَهُ صَاحِبَ مَنْثُورٍ وَمَزْدَوجٍ بَارِعٍ، بَيْنَمَا رَأَى الأَصْمَعِيُّ أَنَّهُ "أَشْعَرُ المُوَلَّدِينَ" بِسَبَبِ دِقَّةِ تَشْبِيهَاتِهِ. وَفِي العَصْرِ الحَدِيثِ، حَلَّلَ طَه حُسَيْنٌ شَخْصِيَّتَهُ تَحْلِيلًا نَفْسِيًّا فِي كِتَابِهِ "حَدِيثُ الأَرْبِعَاءِ"، وَرَأَى أَنَّ شِعْرَهُ مِرْآةٌ لِحَيَاتِهِ دُونَ فَصْلٍ بَيْنَ الأَدَبِ وَالوَاقِعِ. هَذِهِ الشَّهَادَاتُ كُلُّهَا تَصُبُّ فِي مَجْرَى وَاحِدٍ: أَنَّ بَشَّارًا لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ نَاظِمٍ، بَلْ كَانَ مُبْدِعًا أَعَادَ صِيَاغَةَ المَقَايِيسِ الجَمَالِيَّةِ لِلشِّعْرِ العَرَبِيِّ.
بَشَّارٌ فِي مَجَالِسِ الخُلَفَاءِ
دَخَلَ بَشَّارٌ دَهَالِيزَ القُصُورِ وَكَانَ جَرِيئًا فِي مَجَالِسِ الخُلَفَاءِ، خُصُوصًا مَعَ المَنْصُورِ وَالمَهْدِيِّ. كَانَ المَهْدِيُّ يُقَدِّرُ عَبْقَرِيَّتَهُ لَكِنَّهُ اِصْطَدَمَ بِمَجُونِهِ، حَتَّى نَهَاهُ عَنِ التَّشْبِيبِ بِالنِّسَاءِ، وَهُوَ الِالْتِزَامُ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ بَشَّارٌ الحِفَاظَ عَلَيْهِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ. وَمِنْ أَطْرَفِ مَوَاقِفِهِ فِي مَجَالِسِ السُّلْطَةِ دُخُولُ يَزِيدَ بنِ مَنْصُورٍ الحِمْيَرِيِّ، خَالِ المَهْدِيِّ، الَّذِي سَأَلَهُ بِغَفْلَةٍ: "مَا صِنَاعَتُكَ يَا شَيْخُ؟"، فَرَدَّ بَشَّارٌ مُتَهَكِّمًا: "أَثْقُبُ اللُّؤْلُؤَ!"، وَحِينَ غَضِبَ المَهْدِيُّ لِخَالِهِ، قَالَ بَشَّارٌ بِذَكَاءٍ: "وَمَا أَصْنَعُ بِهِ، يَرَى شَيْخًا أَعْمَى يُنْشِدُ الخَلِيفَةَ شِعْرًا وَيَسْأَلُهُ عَنْ صِنَاعَتِهِ؟!". هَذِهِ الجُرْأَةُ وَسَلَاطَةُ اللِّسَانِ كَانَتْ هِيَ بداية الخَيْطَ الَّذِي اِنْتَهَى بِهِ إِلَى نِهَايَتِهِ المَأْسَاوِيَّةِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِصْنٌ يَحْمِيهِ مِنْ سِيَاطِ القُدْرَةِ بَعْدَ أَنْ تَمَادَى فِي هَجَاءِ الكِبَارِ، مع زندقته وشعوبيته!
المَكْتَبَةُ البَشَّارِيَّةُ وَمَصَادِرُ سِيرَتِهِ
وَلِمَنْ أَرَادَ الِاسْتِزَادَةَ مِنْ سِيرَةِ هَذَا الشَّاعِرِ، فَإِنَّ المَكْتَبَةَ البَشَّارِيَّةَ تَعُجُّ بِالكُتُبِ الهَامَّةِ. يُعَدُّ كِتَابُ "الأَغَانِي" لِلأَصْفَهَانِيِّ المَرْجِعَ الأَوَّلَ الَّذِي وَثَّقَ نَسَبَهُ وَنَوَادِرَهُ، كَمَا تَنَاوَلَهُ الجَاحِظُ فِي "البَيَانُ وَالتَّبْيِينُ" وَابْنُ قُتَيْبَةَ فِي "الشِّعْرُ وَالشُّعَرَاءُ". وَفِي العَصْرِ الحَدِيثِ، يَبْرُزُ "دِيوَانُ بَشَّارِ بنِ بُرْدٍ" بِتَحْقِيقِ الشَّيْخِ مُحَمَّد الطَّاهِر بن عَاشُور، الَّذِي يُعَدُّ عَمَلًا مَوْسُوعِيًّا فِي شَرْحِ قَصَائِدِهِ. كَمَا نَجِدُ دِرَاسَاتٍ رَصِينَةً مِثْلَ كِتَابِ "بَشَّارُ بنُ بُرْدٍ: حَيَاتُهُ وَشِعْرُهُ" لِلدُّكْتُورِ هَاشِم مَنَّاع، وَ"التَّطَوُّرُ وَالتَّجْدِيدُ فِي شِعْرِ بَشَّارٍ" لِنَعِيم اليَافِي، بِالإِضَافَةِ إِلَى التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ العَمِيقِ لِطَه حُسَيْنٍ فِي "حَدِيثُ الأَرْبِعَاءِ". هَذِهِ المُؤَلَّفَاتُ حَفِظَتْ لَنَا مِيرَاثَ رَجُلٍ كَانَ يَخْشَى لِسَانَهُ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، وَمَهَّدَتِ الطَّرِيقَ لِفَهْمِ رُوحِ التَّمَرُّدِ الَّتِي سَكَنَتْ جَسَدَهُ البَدِينَ.
نَوَادِرُ المُرَعَّثِ وَطَرَائِفُهُ
يُحْكَى أَنَّهُ كَانَ بَدِينًا جِدًّا، فَدخل عليه أحد الأدباء وهو نائم كأنه الجاموس فقال له: يا أبا معاذ من القائل:
إن في بردي جسماً ناحلاً ** لو توكأت عليه لانهدم
فقال: أنا. فقال له ومن القائل:
في حلتي جسم فتى ناحل ** لو هبت الريح به طاحا
قال بشار أنا. فرد عليه الأديب: فما الذي جعلك تكذب؟ والله إني أرى لو أن الله بعث الرياح التي أهلكت الأمم الخالية لما حركتك من مكانك. فَرَدَّ بَشَّارٌ بِأَنَّ مَقْتَ أَهْلِ الكُوفةِ لَا يَدَعُهُمْ عَلَى أَيِّ حَالٍ. وَمِنْ عَجِيبِ فِطْنَتِهِ أَنَّهُ سَخِرَ مِنْ رَجُلٍ مُبْصِرٍ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَقَادَهُ بَشَّارٌ بِيَدِهِ وَهُوَ يُنْشِدُ:
أَعْمَى يَقُودُ بَصِيرًا لَا أَبَا لَكُمُ ** قَدْ ضَلَّ مَنْ كَانَتِ العُمْيَانُ تَهْدِيهِ.
هَذِهِ النَّوَادِرُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ مُزَاحٍ، بَلْ كَانَتْ دِرْعًا نَفْسِيًّا يَحْمِي بِهِ الشَّاعِرُ نَفْسَهُ مِنْ تَهَكُّمِ النَّاسِ عَلَى قُبْحِ مَنْظَرِهِ وَعَمَاهُ. بَيْدَ أَنَّ مَجُونَهُ وَاسْتِهْتَارَهُ كَانَا الجَانِبَ المُرْتَبِكَ مِنْ هَذِهِ العَبْقَرِيَّةِ. فَقَدْ نَشَأَ بَشَّارٌ فِي مَجَالِسِ النِّسَاءِ بِسَبَبِ عَمَاهُ، فَطَلَعَ عَلَى أَسْرَارِهِنَّ وَتَغَنَّى بِهَا فِي غَزَلٍ تَهَتُّكِيٍّ صَرِيحٍ أَدَّى لِاتِّهَامِهِ بِإِفْسَادِ شَبَابِ البَصْرَةِ. كَانَ بَذِيءَ الكَلَامِ، هَجَا كِبَارَ العُلَمَاءِ مِثْلَ سِيبَوَيْهِ وَالأَصْمَعِيِّ ووَاصِلَ بنَ عَطَاءٍ. هَذَا الِانْغِمَاسُ فِي اللَّذَّاتِ، مَعَ سَلَاطَةِ لِسَانٍ لَا تَهَابُ أَحَدًا، خَلَقَ لَهُ أَعْدَاءً كُثُرًا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَجَعَلَ نِهَايَتَهُ تَقْتَرِبُ مَعَ كُلِّ بَيْتِ هِجَاءٍ يَقْذِفُ بِهِ خَصْمًا أَوْ أَمِيرًا.
الشُّعُوبِيَّةُ وَالزَّنْدَقَةُ وَالنِّهَايَةُ المَأْسَاوِيَّةُ
وَفِي ظِلِّ هَذَا التَّمَرُّدِ، بَرَزَتْ تُهْمَتَا الشُّعُوبِيَّةِ وَالزَّنْدَقَةِ كَمِحْوَرَيْنِ قَاتِلَيْنِ. كَانَ بَشَّارُ لِسَانًا لِلشُّعُوبِيَّةِ، يَحُطُّ مِنَ العَرَبِ وَيَفْتَخِرُ بِحَضَارَةِ سَاسَانَ، قَائِلًا:
هَلْ مِنْ رَسُولٍ مُخْبِرٍ عَنِّي جَمِيعَ العَرَبِ
بِأَنَّنِي ذُو حَسَبٍ عَالٍ عَلَى ذِي الحَسَبِ
وَأَمَّا الزَّنْدَقَةُ، فَقَدْ رُمِيَ بِهَا لِتَفْضِيلِهِ النَّارَ عَلَى الطِّينِ، تَمَاشِيًا مَعَ مَعْتَقَدَاتِ المَجُوسِ، وَقَوْلِهِ المَشْهُورِ فِي عُذْرِ إِبْلِيسَ:
الأرض مظلمة والنار مشرقة ** والنار معبودة مذ كانت النارُ
هَذِهِ الأَفْكَارُ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَنَاعَاتٍ عَمِيقَةً أَوْ مُجَرَّدَ شَغَبٍ فِكْرِيٍّ، كَانَتِ المِسْمَارَ الأَخِيرَ فِي نَعْشِهِ حِينَ بَلَغَتْ مَسَامِعَ السُّلْطَةِ الغَيُورَةِ عَلَى الدِّينِ وَالعُرُوبَةِ. وَهَكَذَا جَاءَتِ النِّهَايَةُ الفَاجِعَةُ، حِينَ وَشَى بِهِ الوَزِيرُ يَعْقُوبُ بنُ دَاوُدَ لِلْخَلِيفَةِ المَهْدِيِّ، مُدَّعِيًا أَنَّهُ هَجَاهُ بِقَوْلِهِ:
ضَاعَتْ خِلَافَتُكُمْ يَا قَوْمُ فَالْتَمِسُوا ** خَلِيفَةَ اللهِ بَيْنَ الزِّقِّ وَالعُودِ.
أَمَرَ المَهْدِيُّ بِقَبْضِهِ وَجَلْدِهِ بِالسِّيَاطِ حَتَّى المَوْتِ. وقيل في قصته أنه مات مقتولًا من ضربٍ ضُرِبَه على التهمة بالزندقة. قالوا: إن المهدي أزمع الانحدار إلى البصرة للنظر في أمورها، فلما وصل البطائح مرَّ بدارٍ كان بشار على سطحها، وكان سكران، فلما أحسّ بمرور المهدي خاف أن يعرفه، فاندفع بشار يؤذن. فقال المهدي: مَنْ هذا الذي يؤذِّن في غير وقت؟ قالوا: بشار، فقال: عليَّ به، فلما مثل بين يديه قال له: يا زنديق هذا مِنْ بذائك، تُؤَذِّنُ في غير الوقت، ثكلتْكَ أمُّك! ثم أمر ابن نَهيك - صاحبَ الزنادقة - فأخرجه معه في زورق. فلما كانوا بالبطيحة أمر المهدي صاحب الزنادقة أن يضربه بالسياط ضربَ التلف ويلقيَه بالبَطِيحة. فأقيم في صدر السفينة، وأمر الجلادين أن يضربوه ضربًا متلفًا، فجعلَ بشارٌ يتألم كلما كلما وقع عليه السوط، فقال بعض الراكبين: انظروا إلى زندقته، ما نراه يحمد الله! فقال بشار: "ويلكَ! أطعامٌ هو فأُسَمِّي الله عليه؟ أثريد أحمد الله عليه؟". فلما ضُرب سبعين سوطًا مات، فأُلقيت جثته في بطن سفينة، فحمله الماء إلى دجلةِ البصرة، فأخذه أهلُه فدفنوه، وما تبع جنازته أحد أمة له سوداء سِنْديّة تصيح: "واسيِّداه! واسيداه! ".
وقيل أنه لما مات تباشر أهل البصرة وهنأ بعضهم بعضا وحمدوا الله وتصدقوا، لما كانوا منوا به من لسانه. قال أحد الشعراء شامتا:
يا بؤس ميْتٍ لم يبكه أحدٌ ** أجل ولم يفتقده مفتقِد
لا أمُّ أولاده بكته ولم ** يبك عليه لفرقة ولد
ولا ابن أخت بكى ولا ابن أخ ** ولا حميمٌ رقت له كبد
بل زعموا أن أهله فرحا ** لمّا أتاهم نعيّهم سجدوا
بقلم: أبوطالب الشقيفي. وفي الختام، نرجو أن تكون هذه الرحلة في رحاب عالم بشار بن برد قد أثرت ذائقتكم، وأضاءت جوانب خفية من تاريخنا الأدبي العريق. إن المعرفة نهرٌ متجدد لَا يتوقف عن الجريان، وبالتواصل ينمو الإبداع؛ لذا ندعوكم لمشاركة هذا المقال مع محبي الأدب والجمال. على أمل اللقاء بكم في قراءة أدبية أخرى ضمن "سلسلة أطلال". والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.